الرأيكتاب أنحاء

الثرثرة أسلوب حياة

يرى الفيلسوف الألماني مارتن هيدجر أن الثرثرة سلوك يقوم به الإنسان هرباً من أعباء الواقع الذى لا يستطيع تغييره أو التكيف معه. ويرى البعض أن الدافع لها الفراغ والبطالة وإثبات الذات، أو التسلية والفضفضة. وهو سلوك إنساني فطرى أصيل، يغلب عليه العاطفة والانفعال ويبتعد عن التفكير والمعقولية. وكما أن هناك مجتمعات لاتعرف الثرثرة مثل اليابان، فإن هناك مجتمعات أخرى لا تجيد شيئاً سوى الثرثرة، مثل المجتمعات العربية التى وصفت فى الأدبيات السياسية بأنها محض ظاهرة صوتية.

غير أن الثرثرة لدى المصريين فاقت كل الاحتمالات حتى صارت أسلوب حياة. فهى ليست وسيلة للهرب من أعباء الواقع الذى لا يستطيعون تغييره على نحو ما رأى هيدجر، وإنما أصبحت بديلاً للواقع وللفعل. فقد تربى المصريون على النميمة وعلى الدوران حول الفعل (الحدث) بالتعليق والشرح والتبرير فى الحياة الاجتماعية، والتأييد أو الشجب فى الحياة السياسية. الثرثرة عند المصريين هى الحل لكل مشاكلنا المستعصية التى لا حل لها، وهى الوجود المصيرى الوحيد الذى نواجه به العدم المحيط بنا من كل جانب، وهى الواجب الثقيل الذى ما نلبث أن نقوم به حتى ننام مرتاحى الضمير.

وتتجلى مظاهر الثرثرة فى كل حياة المصريين بدءاً من نتائج مباريات الكرة وانتهاءً بالقرارات السيادية فى الدولة، وليس أدل على ذلك من انتشار استوديوهات التحليل الرياضى، وبرامج التوك شو وحسابات مواقع التواصل الاجتماعى.

وقد فطنت الحكومات التى تعاقبت على المصريين إلى هذه الحقيقة، فاستغلتها أسوأ استغلال، لنجد أنفسنا أمام حالة سياسية واجتماعية غريبة أشبه باللؤلؤ الصناعى، حيث يتم الزج بخبر ما، فيه من الغرابة والإثارة ما يستفز شهوة الثرثرة بهدف تمرير حدث آخر مضمر، وذلك من قبيل الجرائم الاجتماعية أو الفضائح السياسية أو الحوادث الخرافية، على نحو ما شاهدنا فى وقائع احتراق البيوت بسبب الجان، وانتحار الشباب المتورطين فى لعبة الحوت الأزرق، والإعلان عن برنامج دينى جديد تقدمه الراقصة سما المصرى فى شهر رمضان. 

والمشكلة أن العلاقة بين الحدث والثرثرة المثارة حوله غير متكافئة. فالثرثرة كيان هش ما يلبث أن يتبخر وينتهى، فى حين أن الحدث المطروح لذاته يبقى صلباً وراسخاً ليمارس دوره المرسوم له بعناية، أو يذوب ويتبخر هو أيضاً إذا كان مجرد غطاء لحدث آخر يراد تمريره !!

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق