الرأيكتاب أنحاء

إغلاق المحلات للصلاة.. هل تجاوزه الزمن؟

لن أخوض المسألة من جانبها الديني لأني لستُ صاحب اختصاص، مع إيماني بأن العلوم الدينية (لا الأديان) كافة هي عُصارة المجهود البشري الذي يحاول تفسير الشرائع الإلهية الى وسائل ومعاملات للتطبيق لا أقل من ذلك ولا أكثر. وغني عن القول أن التفسير البشري خاصةً عند تناوله المواضيع الإنسانية سواءً احتكم في تفسيره الى مقولات المنطق والعقل أو حتى الى ميدان التجربة، لا يصل الى ذروة المعنى النهائي أو المقصود الجوهري الذي يحمله الموضوع. ولا أحسبني بحاجة الى الإشارة لاحتمالية الأخطاء التي نقع فينا نحنُ البشر عندما نخوض محاولة التفسير، فقد تتباين مخرجاتنا على النقيض إزاء مسألةٍ بعينها، أو أن كلاً مِنا يذهب في تفسيره وتحليله الأخير لما تُمليه عليه أياً من ظروفه النفسية أو الاجتماعية.

لكن حقاً لماذا نحنُ الوحيدون من بين كل دول العالم الإسلامي نُغلِق محلاتنا وقت الصلاة؟ أو باستفهام آخر، لماذا نعمد الى إيقاف/تعطيل الحياة العامة خمس مرات في كل يوم وليلة بسبب مسألة هي موضِع خِلاف على أي حال؟

مع العلم كما هو معروف، أن هذه الممارسة ليس لها تأريخ في الموروث الإسلامي، بل إنها كانت نتاج تفسير المجددون الدينيون. وهو نتاج تفسيري يقتضي وجود تفسيرات أخرى تتعارض معه، فعلى أي أساس تفوق هذا التفسير على غيره؟

قد يكون المجددون الدينيون رموا الى مراعاة واقعهم الديني آنذاك الذي دعاهم الى تقويم مسائل الدين أو إعادة إحياءها في ظل تلك الظروف. وهو الأمر الذي لم يكُن من الواجب إسقاطه على أزمان لاحقة بحيث قد تُصبِح الحاجة الى تأصيل تلك المسائل الدينية أو إعادة إحياءها خارج الزمان المناسب فعلاً. فإذا كان إغلاق المحلات والأسواق وقت الصلاة قد نشأ لأهداف دينية واجتماعية واضحة، مع اليقين بأن هذا الفعل ليس من صميم الدين، فلماذا نقوم باجترار الممارسة نفسها في حين أن الزمان قد تجاوز الظروف التي دعت لنشأتها ؟

والمؤكَد في هذا السياق، أن إغلاق المحلات والأسواق الذي هو في تصنيفي (تعطيل للحياة العامة) ، كما أعتبره غير ذي مساس بالعقيدة ولا بالدين، لا تتوقف مساوئه عند مفاهيم الفرد للدين، من حيث يقود ضمنياً الى ما يُشبِه إجبار هذا الفرد على العبادة تِبعاً لقولٍ من الأقوال وهِجرانه لما سواه، لكنها بحق تُعطِل/تُفسِد الكثير من جوانب الفرد الاجتماعية والاقتصادية، بل وحتى مصالحه الشخصية.

ولن أذهب لذكر ما يخسره الاقتصاد والتجارة عامةً بسبب إغلاق المحلات للصلاة، مع العلم أن ذِكر ذلك جدير بالاطلاع على أقل تقدير، لكن لنتأمل فحسب ضرر ذلك على سير حياتنا اليومية. وفي جعبة الجميع كما أتصور الشيء الكثير من التجارب/المواقف السيئة جراء إغلاق المحلات للصلاة، حتى أولئك الذين لا يرون بأساً في إغلاقها.

خلاصة ما أردت قوله عطفاً على تضييق حياتنا بأمر هو محسوب على الدين وليس منه، أن إغلاق المحلات للصلاة نشأ لحاجةٍ ظرفية كان رائدها التفسير الذي يُخطئ ويُصيب، وأن ظروف نشأتها قد انتهت. أفلا نتوقف عن اجترار هذه الممارسة التي تجاوزها الزمن ونكُف عن هدر أوقاتنا وأموالنا والتضييق على أنفسنا وعلى غيرنا من الناس؟

الوسوم

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. يقول رحم الله القادة السابقين وأهلا بالعهد السلماني المجيد بقيادة حبيب الشعب محمد بن سلمان:

    أحسنت أستاذ أحمد الفقيه وشكراً لك على المقال الموفق.

  2. صحيح لا يستند اغلاق المحلات وقت الصلاة الى اي نص من القرآن او من السنة لكن جرى العرف على ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق