الرأيكتاب أنحاء

حلاوة اللسان تُجمّل الإنسان

هناك مثل حجازي كثيراً ما أسمع أبي حفظه الله يردده: (قابلني ولا تغديني). أي أن حُسن الاستقبال، والترحيب اللطيف، وبشاشة الوجه، أهم من الوليمة التي تقدمها لي، فحاجة الناس إلى الابتسام، وجميل الكلام، أشد من حاجتهم إلى لذيذ الطعام، فما قيمة طعامك إن كنت عابس الوجه، متكدّر الخاطر، وكأنك مغصوب على دعوة الناس لوليمتك، يقول الصينيون: إذا كنت لا تعرف كيف تبتسم فلا تفتح دكاناً. وأقول: إذا كنت لا تعرف كيف تبتسم فلا تفتح مجلسك.

 

(عزومة مراكبية) هي الدعوة التي لا يمكن تلبيتها، لأن الصيادين عندما يتناولون طعامهم في عرض النهر أو البحر داخل مراكبهم، يقومون بدعوة كل شخص يشاهدونه يقف على الشاطئ، وهذه الدعوة بديهياً لا تتحقق، وكثيراً ما تُستخدم هذه المقولة تعبيراً عن عدم الصدق في عرض أي خدمة لاستحالة تلبيتها، ولكني أنظر لها من زاوية أخرى، هي أن هؤلاء الصيادين على فقرهم وحاجتهم، إلا أنهم يمتلكون الكرم النفسي والروحي لدعوة كل من يقابلون كي يشاركهم طعامهم، وهي دعوة لطيفة صادقة.

 

 لا خَيلَ عِندَكَ تُهديها وَلا مالُ       فَليُسعِدِ النُطقُ إِن لَم تُسعِدِ الحالُ

 

فئة من الناس احترفت البشاشة واللطافة، حتى أصبحت ماركة مسجّلة بأسمائهم، استقبالهم حار بحرارة مشاعرهم الدافئة، وكلماتهم متجدّدة ساحرة، وكأنهم ينتخبونها من قصيدة شِعر، حلاوة اللسان، تُجمّل الإنسان، اعتذرت لأحدهم عن ازعاجي إياه بسبب اتصالي في وقت متأخر، فكان رده: بالعكس سعادة قلب. نسيت جميع تفاصيل المكالمة، ولم يبقى منها سوى عبارة جميلة ظللت أرددها لأيام في عقلي (سعادة قلب).

 

أول من ضيّف الضيف إبراهيم عليه السلام، لذلك كان يُكنى بأبي الضيفان، وقد أخبرنا الله عز وجل عن قصته مع ضيوفه من الملائكة، فقال تعالى: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (24) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا ۖ قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ (25) فَرَاغَ إِلَىٰ أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (26) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ). تلطُّف في العبارة، وعرض حسن.

 

عطاء النفس والروح لا يقل أهمية عن عطاء المال والكرم، كلمات راقية، وبسمة صافية، هي كل ما تحتاجه لتترك انطباعاً رائعاً لدى الآخرين، وتسجل ذكريات جميلة في ذاكرتهم.

 

أضاحـك ضيفـي قبـل إنــزال رحلـه           ويخصب عندي والمحل جديب

 

وما الخصب للأضياف أن يكثر القرى       ولكنمـا وجــه الكـريـم خصيـب 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق