الرأيكتاب أنحاء

ألطف الكائنات بيننا

من النظرة الأولى للمعة عينه، التي لا تطيل النظرة خجلا، تعرف أنه أكثر وهجا وعاطفة ودماثة ودهشة عن غيره من الآباء.

تستغرب لأول وهلة، وتستدير على أعناق المعاني، تبحث عن السبب، وحيتها تكتشف السر الخطير في حياته، والذي رسم جميع ملامحه، ومشاعره، وتفرده وعظمته.

إنه أبو البنات، أبو ألطف الكائنات، الذي له من البنات خمسة ملائكة يعيش بينهم، ملكا لا يكاد ينتهي من لملمة رقتهن، وفض منافستهن على قلبه، ومن غيرتهن، وشجارهن على مجرد الجلوس بقربه، واحتضانه، ناظرات لوجه أمهن، التي تجلس متوجة بينهم، وهي فخورة بكل قول وكل فعل منهن، حينما يحاولن استرضاء الملك واستمالته، وحتى ولو دخلن في حدود مملكتها الحريصة على رائحة وملمس وطعم كل قطرة عسل، وكل زاوية شمع.

جميلة تلك الحياة الشاعرية بينهم جميعا، وممتلئة بالحرص، والتفاني، والتعاون، في بناء صفاء سعادة بيت أقراص العسل، ومن يحرسنه، ومن يتفانين في تمكينه، وإسعاد الملك والملكة والمتنافسات على الخدمة.

مشاعر عظيمة عميقة لذيذة قد لا تعرفها كثير من البيوت، ولكن الحسن لا يكتمل، والرحة لا تستمر، عندما يخرج أحدهم من بيت العسل.

الدبابير تحوم فوق جداول الحياة، وهي تتمنى أن تترك حرارة شوك حسدها في أجساد كل مرتاح.

دبابير لا تتوقف عن أذيتهم، فيظل أحدها يسأل، بنية تكاد أن تكون عسلا، ولكنها في مرات كثيرة تعيب صفاء العسل.

سؤال يطرح على خطوات أجنحتهم خارج البيت، لماذا ليس لديكم أخ!

أخ من هذا السؤال، فهل من يطلقه عليهم بقسوته جهارا، أو من يلمح لهم بحياء يقصد راحتهم؟

هو بلا شك لا يعرف ولم يجرب كيف تكون العيشة في بيت ترفرف فيه أجنحة أجمل الكائنات، ومع أب أنزل عن كاهله هم المجتمع، ولم يعد يهتم، إلا بسعادة وراحة الملكة والبنات الفاتنات.

سؤال أزلي فلسفي، يبعث عدة أسئلة، فكيف تقاس الحياة السعيدة؟

سؤال يجب أن يطرح على كافة المجتمعات، فهل بيننا من يدرك الإجابة، وهل سعادة أبو الأولاد مثل سعادة من يكون أبنائه مختلطين، أو كمثل سعادة أبو البنات، وهل سعادة الأسرة من أم واحدة مثل من تتعدد فيها الأمهات، وهل هنالك سعادة معينة متفق عليها، يمكن تحديد أنها الأضمن والأفضل؟

وهل نعرف حقيقة مشاعر من لم يهبه الله الذرية؟

الأكيد أن السعادة ليست سواء، وأن تركيبة وتربية ومجتمع الشخص تحدد قناعاته ورضاه بما يهبه الله من السعادة، فلا تكون بنفس المستوى، وأن الرضى بالمقسوم نوع من السعادة، لا يدرك قيمتها الكثير، ممن يريدون كل شيء، ويستزيدون، من كل طيبات الحياة، وربما لا يبلغون كنه السعادة الحقيقية، مهما امتلكوا منها، لأنهم يعيشون بأعين جافة جوفاء، وقلوب مخرومة، لا تحتفظ بسكينة اليقين، ولا بالقناعة، ولا تعرف كيف تصنع السعادة من شمع الحياة.

قد يكون لشخص معين طفل واحد، وقد يكون هو كل السعادة الدنيوية، وقد يكون للبعض أبناء وبنات متعددين، وقد لا يجد فيهم لحظة سعادة، ويظل يتمنى لو أنه لم يعرفهم يوما، ويأتيك من لا ذرية له ويتمنى لو أنه يحصل على طفل واحد، حتى ولو كان متبنى، ويظل يتردد. فهل سيكون على قدر الحب والعطاء، وتحمل المسؤولية، أم أنه سيفشل في منتصف الطريق؟

الأمر شأن شخصي، بين الملك والملكة، وبين أجمل الكائنات، وبين الأبناء، وجدوا أو لم يوجدوا، وهم وحدهم من يحددون نوعية العلاقة الأسرية، التي تربط بعضهم ببعض، وبقناعاتهم، وتربيتهم، ومحبتهم، ليس اليوم والأمس فقط، ولكن لعلاقات، تدوم ما دامت المشاعر والكيانات.

البنات شقائق الرجال، وهن المشاعر، والحرص، والوفاء والحياة الطيبة، والحاجة المستمرة، للحب المنقطع النظير، ولا يحق لمن لا يعرف خصوصية الحب هناك أن يعيب، أو يتساءل، أو يستنقص من نوعية الوجود الإنساني وقيمته وزيادته أو نقصه في خلية ملك آخر.

أخيرا، صدق من قال إن البنات أجمل الكائنات.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق