الرأيكتاب أنحاء

“حمدي”.. قصة مليونير بلغاري

قبل شهر تماماً، كانت تتهادى بي سيارة المرسيدس الجديدة في أعالي جبال “رودروبا” المخضوضرة بالكامل، يقودها صاحبها المليونير البلغاري، تجاه منزله في إحدى قمم تلكم الجبال بقرية “بورينوفو”. كان رجل الأعمال المسلم “حمدي طاهر” في غاية السعادة بي ومرافقي الشيخ “بيرم” واثنين من الضيوف، وقد أصرّ على دعوتي عندما علم أنني من السعودية، وجئت لمنطقتهم زائراً.

ما زاد من جمال اللحظة عليّ؛ أننا كنا في وقت الأصيل، لأراقب الشمس التي بدأت تخلع لونها الأصفر، وترتدي البرتقالي الذي يبعث الشجن في النفس، ويثير كوامن الذكريات، لتنساب من الذاكرة لحظات عزيزة عاشها المرء بهذا الوقت، والجونة تختفي تارة خلف القمم، متوهجة كخدّ غادة خجلى. لذلك حالما ترجّلت من السيارة؛ استأذنته للانفلات إلى أعلى مكان في باحة المنزل الشاسعة، لتجدني جالساً بوضع القرفصاء، أرسل بصري -في لحظة تجلٍّ خاصة- تجاه تلك الدائرة التي بدأت في أول احمرارها، وهي تختفي ببطء خلف أشجار الصنوبر المنتصبات بشموخ، ويرتسم مشهد أمامي غاية في الروعة، ولكأنه لوحة خالدة رسمها “ليوناردو دافنشي” أو “كلود مونيه”.

وإذ كنتُ جذلاً في معظم سفرياتي التي رافقتموني بها عبر مقالاتي في كوسوفا أو قازان أو قيرغيزيا أو أوزبكستان وغيرها من تلكم البلاد التي أكرمني الله بزيارتها والكتابة عنها؛ إلا أنني وجدت نفسي هنا في بلغاريا بغصّة حادة نوعاً ما، رغم كل روح التفاؤل الذي أُشيع وأعيش؛ إذ لمّا يزل السؤال المرّ يلاحقني عن سبب إهمال العثمانيين لدعوة أهل هذه البلاد للإسلام، وهؤلاء البلغار عاشوا لمدة خمسمائة عام تحت حكمهم.

الرقم كان صادماً لي، فبلغاريا افتتحها العثمانيون قبل مائة عام من فتحهم للقسطنطينية، ولم يجتهدوا كثيراً في دعوتهم وإدخالهم الإسلام، وتركوهم على أرثوذكسيتهم، لذلك عندما كنت أحاور بعض الزملاء بأن الدولة العثمانية -على ما قدّمت في بداياتها من خدمات جليلة للإسلام- إلا أنها كانت دولة حربية لا مدنية، ولم تهتم سوى بالجهاد والفتوحات، ولم تبذل الجهد الكافي لإدخال شعوب المناطق التي فتحتها في الإسلام، ولا أقلل أبداً أنا هنا من دورها الكبير الذي قامت به في خدمة وتوسيع رقعة الإسلام في بداياتها، ولكنها رؤيتي الخاصة، فأنت ستسمع عن قادة عظام خلّدهم التأريخ فيها، ولكنها في المقابل لم تكن متمدّنة، تركت أثرا في الحضارة الإنسانية؛ لذلك قلّ أن تجد في تأريخ الأتراك فيلسوفاً عالمياً شهيراً، أو مفكراً كبيراً، أو شاعراً خالداً، أو رساماً أو موسيقياً، أو حتى مخترعاً عظيماً بمثل ما هم عليه في الحضارة الفارسية أو الإغريقية.

حضرت هناك في بلغاريا حفلاً بمناسبة مرور عشرين عاماً على افتتاح أول مدرسة تحفيظ قرآن رسمية، وهي المدرسة المرخصة الوحيدة هناك للأسف في مدينة “مَدَان”، حيث مناطق المسلمين “البوماق” في أعلى الجبال، وحمدت لهيئة الكتاب والسنة التابعة لرابطة العالم الإسلامي أسبقيتها في تلكم المدرسة، ودعوت للفضلاء الذين تبنوها وأقاموها، وكان حفلاً كبيراً حضره مفتي بلغاريا الشيخ “مصطفى حاجي” ونائبه “برّ علي مؤمن”، وسط جموع كبيرة من الرجال والنساء، غصّ بهم المسجد.

هناك ثلاثة عرقيات للمسلمين في بلغاريا، النسبة الأكبر منهم، ذو الأصول التركية من الذين تخلّفوا بعد هزيمة العثمانيين، ومن بعدهم يأتي “البوماق” الذين هم من أصول سلافية، وأخيراً المسلمون الغجر، وقد سألت مفتي بلغاريا عن عدد المسلمين، وقلت بأنني قرأت في المراجع المتاحة في الإنترنت بأن عددهم يربو على ال650 ألف، فأخذته حدّة، وقال غير صحيح أبداً هذا الرقم، وبحسب ما قمنا به نحن في المشيخة الإسلامية، فالعدد بين المليون والأربعمائة ألف إلى المليون والنصف مسلم.

طبعا ثمة كوارث وحروب إبادة حصلت، لمعظم مناطق المسلمين التي انسحب منها العثمانيون بعد هزائمهم من مطلع القرن الفارط، ويخبرني صديق يعيش في البلقان، بأن في نفوس المسلمين من غير الترك بعض الألم لما حصل من تخلي الأتراك عنهم، يواجهون لوحدهم مصيرهم، أمام تنمّر وحقد باقي الشعوب غير المسلمة عليهم في منطقة البلقان، خصوصا البوشناق في البوسنة، والألبان وهنا أيضاً، حيث دفعوا ثمناً غالياً جداً من دمائهم، وقد انتقمت جحافل تلك الشعوب غير المسلمة منهم، حقداً على الأتراك، ولكن ذلك تأريخ انتهى، فالأجيال الجديدة اليوم -والحمد لله- بدأت تعود لدينها، بعد حروب إبادة وتهجير وتنصير لأجدادهم، وصل حتى لتغيير هويتهم وأسمائهم بما حصل هنا في بلغاريا، حيث أجبروهم جبراً -إبّان الحقبة الشيوعية- على تغيير أسمائهم المسلمة إلى بلغارية أو سلافية.

مضيفنا المليونير البلغاري المسلم “حمدي”، تكفّل -وبعض الموسرين- بكامل مصروفات حفل مدرسة التحفيظ، وفوجئت بأنه قام مباشرة، بإعداد الطعام بنفسه لنا، ودُهشت أيّما دهشة والله وأنا أراه بكل النشاط والاستمتاع يقوم بالطهو لوحده، وسألت مرافقي عن سبب عدم وجود خدم أو عاملات منزليات، والرجل موسر غاية اليسر، فقال بأن هذه العادة ليست عندهم أبداً، فالرجل والمرأة هم من يطبخون بأنفسهم. وفعلاً، قام الرجل بنفسه -بادرت بتصويره ونشره في مواقع التواصل الاجتماعي خاصتي- بإعداد السلطات الطازجة التي أخذها من نفس باحة بيته التي يزرع فيها الخضروات والفواكه، وقام بشوي اللحم والكباب والنقانق بما أذهلنا من روعة الطعم وجودة الطبخ، وقدّم لنا درساً بالاعتماد على النفس.

طبعاً لم أستسغ أننا نجلس وأقدامنا فوق بعضها، نعبّ من الماء العذب الطبيعي من البئر في منزله، ونتفرج عليه يعمل ويطهو، وعرضنا المساعدة بإلحاح، لكن مضيفنا “حمدي” أبى تماماً، وسمح لي فقط بالتصوير. وأثناء عودتنا للفندق من أمسية لن أنساها ما حييت من روعتها ودروسها، قال لي مرافقي “بيرم”: هل تعلم أن هذا الرجل لا يترك صلاة الفجر أبداً في المسجد بمدينة “مدان”، ويقطع كل يوم هذه المسافة من قريته ليصل للمدينة، كي لا تفوته صلاة الفجر بالصف الأول، وأنّ له أيادٍ عديدة على المسلمين -يعيش معظمهم في فقر ببلغاريا- بما لا تتصوّره.

تأملت في هيئته؛ ألفيته رجلاً عادياً حليقاً، ليس به هيئة تديّن أبداً، وقلت بنفسي: والله فعلاً، إن هيئة الإنسان لا تدلّ أبدا على مخبره، فرغم مصنعه الحديث والضخم للآيسكريم والحلويات الذي زرنا، والمصنع يغطي كل بلغاريا، إلا أن الرجل بإحسانه العميم، وتديّنه الصادق، ولا نزكيه على الله؛ هو أرفع درجات من كثير منا وممن يدّعون الصلاح والتقوى.

ما الذي دعاني لاستحضار المليونير حمدي هذا الآن؟

علمتُ بالأمس أنّ الرجل جاء للحج، وهاتفته بضرورة رؤيته، ووعدني بذلك حال إتمام حجه، وأزمعت على جمعه مع بعض رجال الأعمال، ممن يهتم بالتجارة؛ لعلني أنفعه، وأردّ بعض دينه، ودين المسلمين هناك في بلغاريا له.

الوسوم

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. ‏نفس الدروس واكثر تعلمناها من مقالتك أخي عبد العزيز لكن الحكم على التاريخ يحتاج لمؤرخ ‏وجزاك الله خير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق