الرأيكتاب أنحاء

المهرجان القومى للمسرح المصرى.. عندما يتحول الواقع إلى عالم افتراضى

تلقيت دعوة من الكاتب المسرحى الكبير السيد حافظ، لحضور حفل افتتاح المهرجان القومى للمسرح المصرى، فى دورته الثانية عشرة، يوم السبت الماضى، الموافق 17/8/2019 بالمسرح الكبير بدار الأوبرا المصرية. ولكم كان الحفل بهيجاً، شهد عرضاً مسرحياً متميزاً اعتمد على التعبير الجسدى الخالص، المصحوب بمؤثرات بصرية وصوتية مبهرة، أبرزت العلاقة الجدلية المعقدة التى بين الصوت والضوء والحركة. كما تم تكريم عدد كبير من نجوم المسرح المصرى، الأحياء، والذين رحلوا عن عالمنا بعد أن تركوا لنا ميراثاً مسرحياً حياً مازال يقوم بفعله التنويرى فى عقولنا ووجداننا حتى الآن.

وقد حضر الافتتاح كوكبة كبيرة من هؤلاء النجوم، الرواد، الذين لم يتوقفوا عن العطاء، ومازالوا يلعبون أدوارهم الفنية والثقافية ببراعة، باعتبارهم أيقونات للسعادة فى زمن عزت فيه الضحكة وتراكمت الهموم.

من هؤلاء كان الفنانون الكبار: سميحة أيوب وجلال الشرقاوى ويوسف شعبان وعزت العلايلى وسمير صبرى وتوفيق عبد الحميد وعلى الحجار وسوسن بدر وهالة فاخر ويسرى الجندى والسيد حافظ وآخرون لا تسعفنى الذاكرة لذكرهم. وقد رأس المهرجان الفنان أحمد عبد العزيز، فى حضور وزيرة الثقافة الدكتورة إيناس عبد الدايم.

بالرغم من أن المشهد كان عظيماً، وكنت مستمتعاً به بشدة، غير أن حرصى، مثل الكثيرين من الحضور، على تصوير الاحتفالية جعلنى اكتشف فجأة أنى إنما كنت أشاهد الحدث من فوق شاشة الموبايل، وليس من خلال الرؤية المباشرة لوقائع الاحتفال. اكتشفت أنى أقف على مسافة من الحدث، وأنى بهذا المعنى لم أستفد من اللحظة التاريخية التى جعلتنى على بعد خطوات من أبطال العوالم الأسطورية التى طالما عايشتها على شاشة التليفزيون بالمنزل، فى سهرات الخميس من كل أسبوع فى السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضى، أو فى مسلسلات رمضان الشهيرة فى الفترة ما بعد صلاة التراويح.

لقد حولت الواقع إلى عالم افتراضى، وصرت أشاهده كما فى التليفزيون زمان أو على اليوتيوب الآن. إننى، فيما يبدو، لم أكن حريصاً على معايشة اللحظة الآنية، بكل زخمها وحضورها الطاغى، قدر حرصى على ادخار الحدث وتخزينه فى ذاكرة الموبايل حتى يمكن استدعاؤه فى المستقبل. لم أعد أشعر بالدهشة الكبيرة أو الفرحة العارمة، كما كنت فى سنوات طفولتى وصباى البعيدة، فالمسافة، بفعل الموبايل، ظلت كما هى. فى الواقع كما فى الفن.

وفى هذا السياق، أذكر فى طفولتى عندما أقام الحى بمنطقة إمبابة، مسقط رأسى،  سرادقاً كبيراً فى الشارع، واستقدم الفنان محمد نوح لإحياء حفل شعبى مجانى لسكان الحى. فى ذلك الوقت، شعرت وكأننا فى عيد، وأن ثمة حالة خاصة وفريدة يعيشها الناس. وفى المساء امتلأ السرادق عن آخره، ولم يجد الأطفال من أمثالى مكاناً لرؤية محمد نوح عن قرب، فاضطررت وقتها للوقوف على قدميىّ على مسافة بعيدة من المسرح، لمدة كبيرة. وأذكر أنى لم أكن أعرف عن محمد نوح سوى أنه فنان معروف، وبالرغم من ذلك ظلت تتردد فى أذنيىّ كلماته المعبرة ”مدد مدد.. شدى حيلك يا بلد” حتى يومنا هذا.

وتكرر نفس الموقف فى صباى عندما حضرت ندوة فى معرض الكتاب للكاتب الكبير أنيس منصور، ولم أجد وقتها مقعداً شاغراً فظللت واقفاً لمدة ساعتين استمع لحديثه الجذاب وتعليقاته الساخرة، وكانت المرة الأولى التى أراه فيها على الحقيقة، بعد أن عرفته عن طريق كتبه، ورسمت له صورة ذهنية أسطورية، مستمدة من مؤلفاته ”أرواح وأشباح” ”حول العالم فى 200 يوم”، ”أعجب الرحلات فى التاريخ”، ”القوى الخفية”. وبهذا المعنى، تحققت الأسطورة التى عثرت عليها فى الكتب على أرض الواقع، فمر الوقت سريعاً ولم أشعر بالتعب.

وفى الجامعة، حضر نجوم الجزء الأول من مسلسل ”ليالى الحلمية” حسن يوسف (توفيق البدرى) وعبد العزيز مخيون (طه السماحى) وسيد عبد الكريم (المعلم زينهم السماحى) إلى كلية الحقوق، التى كنت أدرس بها فى جامعة القاهرة، وطبعاً لم يكن هناك موطء لقدم فى مسرح الكلية، خاصة بعد النجاح المدوى الذى أحدثه المسلسل. ولم يكن أمامنا، أنا وزملائى من طلبة الكلية، سوى أن نصعد فوق كومة من الأخشاب المتكسرة فى ركن بعيد خلف بارافان كبير يحيط بالصالة، لتشرئب أعناقنا ونلمح على البعد نجومنا التى تلالأت فى ليالى شهر رمضان، ومنحتنا أكبر قدر من البهجة فى سن الشباب، المتطلع إلى كل جديد فى الحياة والفن والأدب. كانت التجربة شاقة وممتعة فى الوقت نفسه، لأن أبطال الشاشة تجسدوا بشراً أمامنا فى لحظة فريدة، جمعت بين الحقيقة والخيال.

ربما يكون عنصر السن أو الخبرة هو الذى قتل فينا روح الدهشة، وأفقدنا القدرة على التماهى مع شخوص أبطالنا من نجوم الفن والإبداع، وعوالمهم السحرية. لكن يظل لقوة الصورة الهيمنة فى عالمنا المعاصر. فليس هناك حقيقة وخيال، واقع وصورة، لكن صورة وصورة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق