الرأيكتاب أنحاء

لماذا تفشل مشاريعنا الصغيرة؟

مؤسسات الأبحاث المعنية بدراسة الواقع الاقتصادي، هي جهات هامة تلعب دوراً رئيساً في تحليل القيم والبيانات الاقتصادية لهدف واضح ومحدد، يتمحور غالباً حول تقديم معلومات اقتصادية دقيقة يمكن الاستفادة منها في تحديد واتخاذ القرار الاقتصادي. ويُبنى هذا النشاط عادةً على تقنيات حديثة تخضع في مجملها لأساليب علمية يعمل عليها خبراء ومتخصصين في المجال الاقتصادي. ويتم تأسيس مثل هذه المراكز نتيجة الحاجة للقراءة المتخصصة من جانب، ولصعوبة تحديد القرار الاقتصادي المتقلب تحت تأثير العوامل المعقدة والمختلفة من جانب آخر. وهذين الجانبين يؤدي دورهما اليوم مكاتب دراسات الجدوى وهي جهات تعمل لحسابها الخاص، وصحف تجارية وشخصيات اقتصادية منتشرة في وسائل التواصل الاجتماعي. وما يجري تقديمه من قِبل هذه الشخصيات والجهات هي أعمال تتسم بالقراءة الذاتية لمجريات الواقع الاقتصادي، ولا تعبر بالضرورة عن فهم عميق لحقيقة ما يجري. لكن مع ذلك لا يمكن إنكار ما يتم تقديمه من تحليلات وقراءات تتسم بالمهنية والاحترافية في بعض الأحيان. 

وتبعاً لذلك فإن مصدر القراءات والتحليلات والتوقعات الاقتصادية يستند إلى مخرجات متنوعة لا تنتسب إلى جهة متخصصة واحدة، على الرغم من صحية وأهمية التنوع للقراءة الاقتصادية، نتيجة اختلاف القدرات التحليلية والمرجعيات العلمية والخبرات الميدانية، وبالتالي تنوع الرؤى وهو أمر حيوي في مجال الأعمال والاقتصاد.

لكن ما يهمنا تحديداً هو: على أي مصدر بيانات يجب أن يعتمد متخذ القرار الاقتصادي (غالباً فرد يرغب بالاستثمار)؟ هل يعتمد على الصحيفة أم على الشخصية الاقتصادية، أم يذهب لمكاتب دراسات الجدوى؟

قد يمثل المجلس الاقتصادي السعودي في ظل تعددية المصادر وعدم عمق ودقة معظم أعمالها، نموذجاً لمركز أبحاث معتمد، فهذا المجلس كمنظمة عامة، يقوم بتحليل الوقائع الاقتصادية ويقدم رؤى مختلفة ومتنوعة، لكنه  يستهدف الانشطة الاقتصادية المرتكزة إلى الأهداف العامة للدولة، ولا يقدم تفاصيل لحركة الأنشطة التجارية البسيطة. فحين يحاول فرد (أو مجموعة) تقرير استثمار أمواله في أحد الأنشطة التجارية، لا يجد من خلال أي عملية بحث، جهة تمثل منصة اقتصادية باحثة تقدم معلومات تتسم بعمق التحليل حول اتجاهات الحركة السوقية والتجارية !

فأي القطاعات يشهد نمواً اقتصادياً اليوم وفقاً لبيانات موثوقة؟ هل هو قطاع التجزئة، المقاولات، الخدمات اللوجستية، التدريب، التقنية، الأسهم، المطاعم، الترفيه الخ …

ولذلك فنحن نلاحظ أن اتخاذ القرار الاستثماري لتأسيس المشاريع الصغيرة لا يتجاوز عملية استنساخ وتكرار للأنشطة الشائعة دون البحث المسبق لجدوى وفعالية كل قرار بمعزل عن الآخر. فتجد على سبيل المثال العشوائية في تكدس عدد  كبير من المطاعم في منطقة ما، وقد تم إغلاق جزء كبير منها. ونقيس على ذلك مختلف المشاريع الصغيرة التي تتبع طريقة التأسيس نفسها !

وفي تقديري، فإن تعثر وفشل الكثير من المشاريع الصغيرة والمتناهية الصغر، ناشئ عن غياب المؤسسة البحثية المتخصصة التي من الواجب أن تمثل منصة بيانات ومعلومات لاتجاهات وحركة السوق، والتي كانت ستساعد (الفرد) الراغب في الاستثمار باتخاذ قرارات (بديلة) أكثر صواباً لولا غياب هذه المراكز، ما كان سيؤدي إلى إنماء هذه الأموال ورفع القدرة الاقتصادية التي تولدها المشاريع الصغيرة.

وتعطينا مؤشرات انخفاض نمو المشاريع الصغيرة، وأيضاً حركة إلغاء مئات السجلات التجارية بعد أقل من عام على إصدارها، وإغلاق المحلات والمشروعات خلال فترات قصيرة بالرغم من الحوافز التي تحظى بها، دلالات واضحة أن ثمة قرارات اقتصادية بُنيت على أساس من العشوائية التوجيهية والمعلومات غير الدقيقة. وهذا يؤكد الحاجة لتأسيس مراكز للأبحاث والدراسات الاقتصادية (هدفها قياس القابلية الاستثمارية) في الأنشطة التجارية وفقاً لأرقام وإحصائيات دقيقة وعلمية. الأمر الذي يشكل ركيزة وثيقة الصلة بإنماء الأموال الصغيرة والحفاظ عليها، والأهم من ذلك، تأسيس منصة معلوماتية قادرة على توجيه صغار المستثمرين لتلبية احتياجاتهم الاستثمارية، وتحقيقاً لأهداف الرؤية الاقتصادية للمملكة، والتي تستهدف تعزيز وتنمية المشروعات الصغيرة والارتقاء بها.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق