الرأيكتاب أنحاء

استراحة مُحارب

اعتاد ذلك المعلم طوال العام الدراسي، على الاهتمام بطلابه، والحرص على مصالحهم، والتعامل معهم بكل لُطف ومحبة، واعتاد على أن يُقدم لهم مادته العلمية بأسلوب مُمّتع ومُشوّق، ليهرب بهم عن الملالةِ والسأم، وليكافئهم بثنائية المُتعة والألم، فالمُشتتات في حياتهم كثيرة، والمُلهيات من حولهم مُثيرة، وهو في نهاية العام، بعد الإكمال والإتمام، يأخذ اجازته الطبيعية، كأي موظف آخر.

وللأسف يتفاجأ هذا المعلم أثناء إجازته الطبيعية، بكونه أصبح مادةً مُستباحة للسخريّة، إما برسومات كاريكاتيرية غبية، أو برسائل لا تقل غباءاً على وسائل التواصل، ولا غرابة في ذلك، فالجهل ظلامُه حالك، ويتمادون في السخرية والاستهزاء، ويحشدون المغالطات لافتِعال العداء، قاتل الله الجهل والحسد، يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه:

ما الفضلُ إلا لأهلِ العلـم إنهم        على الهدى لمن استهدى أدلاءُ
وقدرُ كل امرئٍ ما كان يُحسِنُه       والجاهـلون لأهل العـلـمِ أعداءُ
فـفـزّ بعلمٍ تعش حيـاً به أبــداً        الناسُ موتى وأهل العلـمِ أحياءُ

النظرة السلبيّة للتعليم والمعلم مُحبطة، وتأثيرُها عليه مُشاهد ومؤذي، فلو أنها فقط أدت إلى تراجع حماسة كثير من المعلمين للعطاء، وتراجع حماسة كثير من الطلاب للتعلم، لكان هذا الضرر وحده كافياً ومُدمراً، والمصيبة أن الضرر يطال الوطن كله، فاقتصاد اليوم يقوم على المعرفة والإدارة والذكاء، وهذه المعارف والمهارات يتم اكتسابها في المدارس، فإذا لم نستطع أن ننظر للتعليم نظرة جادة إيجابية، فلن يكن بإمكاننا تأهيل جيل مُبتكر ومُبدع. 

والنظرة الإيجابية الجادة للتعليم، لا ترى في المدارس والفصول مُجرد جمادات كئيبة من جُدران وكراسي، بل تراها مجالس علم، تُغرس فيها بذور الأمل، وتُسقى بمياه النور، فالعقول تُزود بالمعرفة، والنفوس تُغذى بالأدب، والقلوب تُطعّم بمكارم الأخلاق، وهدفها الأسمى، وغايتها الكُبرى، إعداد الطالب ليحيا حياةً طيبةً كريمة.

انقضت الإجازة بخيرها وشرها، وماهي إلا (استراحة مُحارب)، لرجال ونساء شمّروا عن سواعدهم لاستكمال البِناء، ورتبوا أوراقهم لمواصلة العطاء، مُتزودين بالصبر والإخلاص، مُتسلحين بالإبداع والحماس، تنتظرهم شهور طويلة، مع ما فيها من تعدّد المسؤوليات، واختلاف المُهمّات، وتنوّع الواجبات، ويصدق فيهم قول المُتنبي:

عَلى قَدْرِ أهْلِ العَزْم تأتي العَزائِمُ         وَتأتي علَى قَدْرِ الكِـرامِ المَكـارمُ

وَتَعْظُمُ في عَينِ الصّغيرِ صغارُها         وَتَصْغُرُ في عَين العَظيمِ العَظائِمُ

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق