الرأيكتاب أنحاء

لواعج أب … في ليلة عرس ابنه الأكبر

التعب آخذٌ مني كل مأخذ، أجرّ قدميّ المتعبتين – بهزيع الليل الأخير- بتثاقل، أجولُ في غرفات المنزل الخالي إلا مني، وقد عدتُ للتو من ليلة فرح صاخبة، أكرمني بحضورها فضلاء ونخب وأحبة، اصطفيتهم بالدعوة لعرس ابني الأكبر.

وإذ تسمّرت أمام غرفة الابن، وقد أُفرغتْ الدواليب من ثيابه، وأقفرتْ من بعدما كانت كتبه متناثرة، وحاجياته متوزعة بلا ترتيب، كحال أغلب الأطباء، أو المتفوقين بشكل أدقّ، فيما ذلك المكتب – الذي خلت الغرفة منه – الكبير، ترك فراغاً كبيراً بما فعله الليلة الابن معنا، وهو الذي كان يقضي الليالي الطوال عليه، سادراً في مذاكرته إبّان دراسته، بعدما يُعلن النفير العام بالبيت بعدم ازعاجه بالكامل.

تمتمتُ بنفسي: إنها سيرورة الحياة، وفطرة الوجود الإنساني، وسنة الكون الماضية أبداً لقيام الساعة، الجيل يأتي بعد الجيل، وبنفس ما غادرت يوماً منزل عائلتي، وودّعت والديّ وإخوتي، لأنفصل بحياة جديدة، ها هو الابن يفعل ذات الفعل..

اللواعج لا تزال تدور بي، تحكي عن مشاعر فقدٍ أو حزنٍ سرعان ما تزايلني، لتحلّ مكانها مشاعر فخرٍ وفرحٍ بابن متميّز؛ بذلنا – والدته وأنا – كل ما نملك ليصل لحلمه، ويكون طبيبا.

ما زلت متسمّراً عند باب الغرفة، والهدوء يعمّ البيت الخالي، إذ كل العائلة لمّا تزل في قاعة الفرح، وعدت وحدي بعد وداعي لضيوفي الكثر الذين ملأوا القاعة، وعادت بي الذاكرة وقتما بُشّرت بولادته وأنا بطريقي للدوام، كنت حينها بعمر الـ24عاماً، وتملكتني الفرحة التي أجدُ حلاوتها ليومي هذا، فللابن الأول فرحة غامرة خاصة لا تنسى، أتذكر طعمها المختلف إذ ذاك، عبر تلك المشاعر التي انبجست من داخلي، فقد بتّ أباً، ولم تخطر لي أبداّ في سِنيّ حياتي تلك فكرة أن أكون أباً، وفي تلك السنّ التي ربما كانت مبكرة في وقتنا الحاضر.

تنثال الذكريات عزيزة، وأنا أصعّد النظر في أرجاء الغرفة شبه المظلمة، وتحلّق روحي في تلكم الأزمنة البعيدة، وقد أكمل ابني أسامة عامه الأول، وأتذكر للآن، انتظاري انتهاء الدوام لأهرع – والشوق يغمرني بالكامل – للشقة الصغيرة، وأنا أحبس مشاعري الضاجّة أثناء الطريق، إذ لا جوالات وقتئذ لأسمع صياحه من النافذة التي ينتظرني فيها ووالدته من خلفه حال ركني السيارة، ويجري نحوي – وهو يصيح عالياً فرِحا – ويرمي بنفسه على صدري عند باب الشقة، لأحتضنه بدوري، وأرميه في الهواء وهو يقهقه بكل براءة، وأتلقاه بضمّهِ لصدري، ليلفّ ذراعيه الصغيرتين حول رقبتي، ممسكاً بها بقوة، ورامياً رأسه على كتفي، لنعيش لحظات حنان طافرة لا تنسى، بين أب في مقتبل حياته العملية، وطفل رضيع يرسل بحركاته تلك رسالة أنني – وإخوتي الآتين – هدف حياتك التالية.

أرتكز قليلاً على طرف الباب، والاضاءة الخافتة التي تأتي من عمود الانارة في الشارع، وتمرق من خلال النافذة، وأتبيّن من خلالها ملامح ما بقي في الغرفة التي خوت إلا من روح فلذة الكبد الذي غادرنا الليلة، فتزيدني لاعجاً على لواعج، وأن أبحر وأبحر في ذكرياتي والابن فأراه أمامي يتعذب ويبكي عندما فطمناه على الرضاعة، ولا زلت لليوم أشعر بتمزق نياط قلبي عليه، ولمرات كدت أن أفسد – من فرط حناني – كل محاولات فطامه، وأنتقل سريعا لدخوله المدرسة الابتدائية، فالمتوسطة، وتمرّ كل الصور سريعاً، لأفيق على التحاقه بكلية الطب، وتحقيق الحلم الذي رسمه، وحضوري تخرّجه، واستلامه شهادة الطب من يد سعادة الدكتور عبد الرحمن اليوبي، مدير جامعته، والذي دعوته لحفل الزفاف واعتذر لي للأسف لظرف لديه.

واريتُ باب الغرفة، وأدرت ظهري نازلاً لغرفة نومي، وأخرج من ذكريات الابن الشجيّة، لأرسم ابتسامة امتنان عريضة لكل الفضلاء الذين أغدقوا عليّ، وحضروا الحفل الذي استغرقني شهوراً عديدة، ولولا وقفة أوفياء لما استطعت أن أقوم به، بيْد أن مناسبة الحفل، ملأتني دروساً عدة، في تمييز الصحب، إذ فاجأني نفرُ بأصالتهم وكرمهم وإحسانهم، وقد تباروا في الفزعة والصلة، بحيث إنهم ألجموني من فرط أخوّتهم وجُودِهم، ولم أتوقع أبداً أن يكونوا معي بهذا الفضل والمبادرة، أخذت درساً بعدها، أن سماحة النفس والخلق والكرم ومعرفة الأصول والواجبات هبّة من الله تعالى، يصطفي بها بعض خلقه، في مقابل كثيرين ممن ظننا أنهم للنوائب والمواقف، وخذلونا أيّما خذلان، والمواقف التي أقول ليست بالمال فحسب، بل بشهامة ووقفات الرجال الحقّة، لأقدم الدرس لمن بعدي كي لا يفاجأ: لا تأسَ على بعض دائرتك الخاصة من الأصدقاء إن خذلوك في أوقات مناسباتك، أو محنك، فهكذا المواقف تميّز لك الأصدقاء الحقيقيين من أصدقاء المصالح.

دمعتْ عيني وأنا بوسط الحفل، عندما فاجأني موظف مصري، بظرف فيه مال، وقال هذه من أخ لك، ووقتما قرأت الاسم وَجمتُ وصُدمت، فقد كان الظرف من صديق يخضع للعلاج الكيماوي من قرابة عام تقريباً في ألمانيا، ولم ينسَ من وقفته، وتذكرني في أول مناسبة فرح لي بحياتي، ولم يرد أن تفوت هذه الليلة إلا ليشعرني أنه أخ لي، والقصة ليست في المال، بل في المبادرة التي أشعرتني بمكانتي في نفسه، وكم تأثرت لدرجة أن دمعت عيني – والله – من مبادرته هذه، لأقارنه بأناس عشت معهم السنوات، أو أولئك الذين خدمتهم إعلاميا، ولم يكلفوا أنفسهم أن يعتذروا أو يرسلوا باقة ورد أو شوكولاته، تقول: إننا لم ننسك في فرحك الأول، لأنك أثيرٌ حبيبٌ عندنا.

لم آبه لهم جميعا، وعذرت من يستحق، سوى ثلاثة من أحبتي، عاتبتهم لمكانتهم، فيما تجاوزت كل ذلك، ناظراً لنصف الكأس الممتلئ، وأنا أردّد: شكرا لك يا الله أن أحطتني بكل هؤلاء الذين تباروا في إظهار مكانتي في أنفسهم، لك الحمد يا الله أن أكرمتني بحبّ هؤلاء الناس، لك كل الشكر يا رب على معرفتي بأفذاذ الرجال هؤلاء.

كانت ليلة ساحرة، أتوني الفضلاء الكبار من الرياض، والشرقية، والجنوب، غمروني بفضلهم وأخوّتهم، ناهيك عن مئات رسائل التهنئة التي ملأت جوالي، ليهمس صديق في أذني: أغبطك على نوعية ضيوفك، الذين مثلوا كل تيارات الوطن، استطعت جمعهم عبر حياتك المهنية، وكللت تاريخك بحضورهم المتنوع الليلة، وقد استمتعوا مع الغرّيد الشهير، والمنشد الأبرز: د. فيصل لبان، في أهازيجه الشعبية، التي طرب لها الحضور، واستجاب لك الشيخ عادل الكلباني، ليرقص بجوارك والعريس رقصة المزمار المكية.

من صميم القلب: أشكركم شكراً تتسع أنواعه، وتنبسط أبواعه، ويلذ ذكره وسماعه، شكر ملء القلب واللسان، وكشكر حسان لآل غسان، شكراً لحضوركم، ولدعواتكم، ولوقفتكم الأخوية معي، وشكراً آخر لمن عاتب أو عذر وهو الحريص على الحضور، وشكراً ثالثا لمن أرسل لي رسائل التهنئة، وبما زرع الابن د. أسامة، الفرحة الأولى في حياتي عند ولادته، ها هو يزرع فرحة مثلها، مختلفة المذاق، في أول عرس أقيمه.

سنة الحياة تقول إنني اليوم انتقلت لطور جديد، ربما تتضح ملامحه العام المقبل بولادة حفيد، وتلك مرحلة أخرى من مراحل العمر.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق