الرأيكتاب أنحاء

الماضى المرعب

منذ عدة أيام شاهدت الفيديو الخاص بيوم حفل زواجى، ورغم أنى سبق وأن شاهدته من قبل مراراً إلا أنى فى هذه المرة انتابنى شعور مختلف، شعور مقبض. فقد لاحظت أن بعض المدعوين قد رحل عن دنيانا، والبعض الآخر رحل عن حياتى، والبعض الثالث الذى لم يرحل عن دنيانا ولا عن حياتى رحل عن الوعى أو عن اهتماماتنا المشتركة، ولم يتبق سوى أرواح هائمة  أو أشباح أثيرية تعربد فى عالم بعيد طواه النسيان.

للماضى أهمية خاصة لدى الإنسان، لأنه مستودع الذكريات، ولأنه يثير الشعور بالشجن، خلافاً للحاضر الذى يتسرب من بين أيدينا سريعاً ولا نستطيع أن نقبض عليه، و خلافاً للمستقبل الذى يرتبط بالتوقع وبالخيال، وهى عمليات عقلية لا تتماس مع الشعور والوجدان.

وأهم مايميز الماضى أنه لا يعود. يمكن أن نستحضره من خلال الذاكرة، لكنه لا يعود. وقد عّبر مرسى جميل عزيز عن هذا المعنى فى أغنية ”فات الميعاد” التى شدت بها كوكب الشرق فى كلمات شهيرة عندما قال: “عايزنا نرجع زى زمان قول للزمان إرجع يا زمان، وهات لى قلب لا داب ولا حب،  ولا انجرح ولا شاف حرمان”. والاستحالة هنا خاصة بإعادة إنتاج شروط الوجود الخالص والحياة الأولى المبرأة من خبرة الحب القاسية الدامية. وهى الاستحالة التى حاول زيمكس أن يتجاوزها فى فيلمه الخيالى العلمى “العودة الى المستقبل “، حيث استطاع البطل عن طريق آلة الزمن أن يرجع الى الوراء ويغير فى شروط الماضى من أجل حل إشكالات الحاضر التى هى بمثابة المستقبل بالنسبة للماضى.

والعودة للماضى تتحقق غالباً فى قالب كوميدى أو رومانسى كما حدث فى فيلم “العودة إلى المستقبل” الأمريكى و”شهير وبهير وزهير” المصرى. وعلى العكس يأتى الماضى مصحوباً بالفزع. حدث ذلك على يد ستيفن سبيلبرج الذى أعاد الحياة للديناصورات على الشاشة الفضية تحقيقاً لفكرة مجنونة كتبها مايكل كرايتون فى فيلم “الحديقة الجوراسية”، وحدث على يد أنور وجدى فى تمصيره لرواية ألكسندر ديماس “الكونت دى مونت كريستو” من خلال فيلم “أمير الانتقام” الذى تجسد فيه الماضى فى شكل إنسان عاد لينتقم. و قد أتى الرمز واضحاً ومباشراً فى عبارة “حسن الهلالى” المتكررة، التى كان يلقيها على ضحاياه قبل أن يقتص منهم ويزهق أرواحهم بلا رحمة “أنا الماضى .. أنظر أبعد “.

والماضى أيضاً مخيف ومرعب إذا استطعنا أن نوقفه ونجمّد لحظاته عن طريق التصوير الفوفوغرافى. فقد استطاع رولان بارت أن يقدم لنا مرثية حزينة فى كتابه الوحيد الذى خصصه لفن التصوير “الغرفة المضيئة” عندما بحث فى ألبوم ذكريات العائلة عن ماهية التصوير، وتوصل إلى أنه يكمن فى قدرة اللحظات الماضية على أن تظل ثابتة وحاضرة أمامنا رغم زوالها من الوجود، وهو ما ساعده على تفسير الشعور بالحنين، الذى كان ينتابه عندما كان يشاهد صور الأم المتوفاة، التى كان مرتبطا بها بقوة.

غير أن تجميد اللحظات الفارقة فى أحداث الحياة من شأنه أن يفتح على صاحبه أبواب الجحيم. حدث هذا مع المصور الصحفى “شمس” أو “نور الشريف” فى فيلم “ضربة شمس”، باكورة أعمال المخرج الكبير محمد خان، عندما استطاع أن يلتقط كلمة مكتوبة فى ورقة قبل أن تحترق. وهى الفكرة التى التقطها أحمد مراد، كاتب الشباب الأشهر وصاحب الكتب الأكثر مبيعاً، ونسج على منوالها أحداث روايته الأولى “فيرتيجو” عندما قام مصور أفراح بتصوير جريمة قتل أثناء وقوعها.

لا شك أن للماضى سحره الخاص إذا ظل محتفظاً بمكانه البعيد باعتباره ماضياً، لكنه حتماً سيفقد هذا السحر ويتحول إلى كابوس، إذا ما تجسد أمامنا فجأة فى صورة شبح قادم من العالم الآخر، أو فى شكل حيوان خرافى خرج لتوه من حفريات ما قبل التاريخ، أو إذا صحا أحدنا ذات يوم فجأة، واكتشف أنه لا ينتمى إلى هذا الزمن، لكن إلى زمن آخر بعيد، مثلما حدث مع أهل الكهف فى مسرحية توفيق الحكيم التى تحمل نفس الاسم!!

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق