الرأيكتاب أنحاء

البعض يخيب مهما استشار

يقول سبحانه في سورة الشورى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [آية 38‏].

وتراثنا العربي يظل يحثنا على ألا نتفرد بالرأي، وأن نستشير كثيرا، لمعرفة كل الآراء الممكنة، والبديلة، قبل التنفيذ، وحتى نتمكن من الوصول إلى أقل فرص الإخفاق.

والحديث النبوي، يقول: (ما خاب من استخار، وما ندم من استشار).

ونقل عن علي بن أبي طالب أنه قال: (الاستشارة عين الهداية، وقد خاطر من استبد برأيه).

وقيل إن الخليفة عمر حدد: (الرجال ثلاثة، رجل ذو عقل ورأي، ورجل إذا حز به أمر أتى ذا رأي فاستشاره، ورجل حائر بائر لا يأتمر رشدا ولا يطيع مرشدا).

تراث أصيل، حتى أصبحت الاستشارة ضرورة ومطلبا لكل من ينوي على أداء أي عمل عظيم، خصوصا لمن تكون المسؤولية بأيديهم، ومن تؤثر أعمالهم على العامة، ممن يصعب معرفة أراءهم جميعا، لاختيار ما يناسبهم.

والاستشارة لا يمكن أن تكون سليمة عقلانية، واسعة الرؤية، حريصة على نوعية النتائج، إلا في حالات نادرة، بأن يكون المستشير لا مركزي، منفتح على كل الآراء، ولديه مستشارين من كل الأعمار، والتخصصات، ومن جميع تنوعات المجتمع، وأنه لا يخص جماعة أو جيلا أو طبقة أو عرقا معينا بمشورته.

والأهم من كل ذلك أن يكون من يستشير، صادقا مخلصا مرنا، فلا يكون له رأي معين، مسبق، يريد فقط أن يمرره أو يفرضه، بأن يوافقه عليه من يستشيرهم.

وكل ذلك يجعل الاستشارة عملية صعبة، معقدة، وقد لا يرشح عنها فائدة ترجى من تلك الاستشارة.

الكثير ممن يؤتمنون، ويستشارون، يمتلكون روح الأنا، والخيال، والإيثار، التي تجعلهم يصدقون بأنهم مركز الكون، وأن مجرد استشارتهم هبة ومكانة وسلطة، وتعطيهم الحق في التفرد بالرأي، مهما كان ضارا على العامة، طالما أنه يصب في مصالحهم الخاصة.

الكثير ممن يستشارون، لا يقدرون حقيقة المسؤولية، ولا يبحثون عن مصلحة من استشار بمنطقية، وإخلاص، فيحاولون خلق الأعذار، وتمرير الشك، والتخوين في أراء مستشارين أخرين، لمجرد اختلاف مشوراتهم.

كثير ممن يستشارون، وتخيب مشورتهم، يهربون، بعد وقوع الكارثة، ويدعون أنهم لم يقولوا بذلك حرفيا، وأنه قد تم فهم وجهات نظرهم بطرق مغلوطة، وأنهم ما يزالون يحملون الرأي السليم، والحلول الناجعة، حتى بعد أن ظهور نتائج خيبة آرائهم، بقوة.

لذلك يخيب من يستشير مثل هذه النوعيات من الناصحين المستفيدين، ومن منعدمي الخبرة، ومن المطبلين السائرين على غير هدى المصلحة العامة، وممن يوزنونها فقط بقدرتهم على بث الثقة في روح المستشير مهما تهور، والتسهيل، والتهوين من النتائج، في أمور تحيط بها الخيبات، وانعدام الرأي السليم، والتي يعرف حتى المبتدئ بأنهم خياليون، كاذبون، مخادعون، لا يهتمون بغير أنفسهم الطماعة في نيل المزيد، على حساب ذممهم، وحساب مسار من يستشيرهم.

نصيحة لكل من أراد استشارة خالصة، ألا يثق بطيف على حساب طيف، وأن ينتقي مستشاريه من مختلف الأعمار، ومختلف الثقافات، والمجتمعات، وممن لا نوايا سيئة لديهم، ولا تزلف، ولا أطماع، تجعلهم خيبة عليه وعلى قراراته، مهما أعاد استشارتهم، فلا يمكن استخدام نفس أدوات الخيبة الماضية، لصنع نجاح متوقع.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق