الرأيكتاب أنحاء

لمحات من تطوّر الأغنية الوطنية في السعودية!

في عهد المغفور له موحّد المملكة العربية السعودية الملك عبدالعزيز آل سعود لم تكن هنالك موسيقى سليمة في السعودية وبالتالي لم تكن هنالك ألحان ولا إيقاعات ولا فرقة موسيقية بالشكل الذي نعرفه اليوم، فكانت الأغنية الوطنية الوحيدة في عهده هي بطبيعة الحال للموسيقار المصري الكبير (محمد عبد الوهاب) وكانت بعنوان «يا رفيع التاج».

في عهد الملك سعود رحمه الله والذي عُرِف عنه حبه واهتمامه بالموسيقى تكوّنت أوّل فِرقة سعودية على يد العميد (طارق عبد الحكيم) وقدّم مع أقرانه أوّل أغاني سعودية وطنية اتسمت بلونها الشعبي البسيط والمستوحى من ألحان وإيقاعات المنطقة البسيطة كالشرقين والسامري والرومبا والمارشات العسكرية التقليدية، فقدم (طارق عبد الحكيم) أغنية «يا الله تحفظ سعود» وقدم (عبد الله محمد) «صفالي سعدي وطاب» وهي بنفس لحن الأغنية الشهيرة «صفالي حبي اليوم»، وقدم (طلال مداح) الناشئ آنذاك «يا صاحب الجلالة .. يا محقق العدالة» و«غروس المجد»، كما قدم (سمير الوادي) وهو الاسم الفني للفنان الكبير متعدد المواهب (مطلق مخلد الذيابي) أغنية «سعودٌ يا سعود» وقدم الفنان الشجي (فوزي محسون) أغنية «ثامن الأعوام».

ثُمّ كان أن غامر (طلال مداح) وقدم أغنية مكبلهة تعتمد على المارشات العسكرية في موسيقاها وعلى إيقاع الشرقين ومقام البيات الحنون في غنائها، من كلمات (مصطفى بليلة) وألحانه على مقام البيات تُدعى «وطني الحبيب» وأصبحت واحدة من أكثر الأغاني الخالدة في الوطن العربي بعد أن طوّر في موسيقاها لاحقاً لتصبح أغنية وطنية وعاطفية في نفس الوقت بسبب اللحن الحسّاس الذي صنعه طلال.

في عهد الملك فيصل ثم الملك خالد رحمهما الله انفجرت إبداعات الفنانين السعوديين بعد تمرسهم على الفن واحتكاكهم بموسيقيين كبار، فقدم (طلال مداح) ملحمة وطنية من كلمات الأمير عبدالله الفيصل ولحن (طارق عبدالحكيم) بعنوان «أفديك يا وطني» كما قدم روائع لا تنسى مثل: «صُنّاع المجد» من كلمات المذيع والمعلق الرياضي الشهير (علي داوود) وألحان (سراج عمر).

يقول (علي داوود) كنت متخوِّفا جدا من تجربة الكتابة الأولى ولكنني حين عرضتُ الكلمات على (سراج) قال لي: يا رجل هذي ملحنّة جاهزة! في إشارة لسلاسة الكلمات وسهولة تلحينها. كما لا ننسى أغنية «فيصلنا يا فيصلنا» والتي انتشرت آنذاك أيُّما انتشار وهي من كلمات الشاعر السوري (مسلّم البرازي) والذي كان يعمل بإذاعة الرياض.

وبما أننا ذكرنا اسم مسلّم فلا بد أن نعرج على تجربته، فقد كان من أوائل من طرق الأغنية الوطنية من خلال وصف المدن بشكل عاطفي غزلي، فكتب لـ (طلال مداح) أغنية «حايل بعد حيّي» والتي يقول فيها:

“يا نسمة الوادي.. يا وردة في بلادي

حايل ربى الشادي.. يا نرجس وكادي”

كما كتب للفنان (محمد عبده) أغنية «مرني بجدة» ويقول فيها:

“حبيبي مُرَّنِي بجدة.. تزول عن قلبي الشِّدَّة..

مُنَى عُمري يطول عُمري.. عشان نقضيه سوى في جدة!”

وإذا ذكرنا أغاني المدن الوصفية فلا يمكن أن ننسى رائعة «أبها» لـ (طلال مداح) والتي كتبها المصري (أحمد رجب) والذي كان مدرساً منتدباً في أبها فقال:

“لا تلوموني في هواها .. قبل ما تشوفوا بهاها..

هي بس اللي هويتها.. قلبي ما يعشق سواها”

وكان لـ (محمد عبده) روائع لا تُنسى مثل «أوقد النار يا شبابها» والتي أطلقها في ما سُمِّي آنذاك بحرب الوديعة إبّان عهد الملك فيصل.

أما في عهد الملك فهد وما تلاه فقد أطلق السعوديون العديد من الأغاني الوطنية ولعل أشهرها «بلادي منار الهدى» للموسيقار الكبير (سراج عمر) وهي من كلمات اللبناني (سعيد فيّاض)، يقول (سراج عمر) عندما سمعت الكلمات أعجبتني ولحنتها، لكن اللحن لم يعجبني فقررت أن لا أغامر بإعطائها لأي فنان وأن أغنيها بنفسي، لكنني تفاجأتُ أن الملك فهد رحمه الله أعجب بها واتصل بي شخصيا فيما اعتبره أهم اتصال في حياتي ليشيد بالأغنية ويأمر بإذاعتها على رأس الساعة حتى أصبحت أشهر أغاني الوطن.

في عهد الملك فهد تألق فنان العرب (محمد عبده) ليقدم عُصارة فنه ونضوجه في عدد كبير من أغاني الوطن، فقدم أغان خالدة لا تنسى من كلمات مهندس الكلمة الأمير (بدر بن عبدالمحسن) مثل «الله أحد» و«فوق هام السحب» والأغنية الأعجوبة والمكبلهة والمعقدة في لحنها «وين أحب الليلة» والتي يقول في مستهلّها:

“في الليالي الوضح.. وفي العتيم الصبح

لاح لي وجه الرياض.. في مرايا السحب”

كما غنى للرياض «ليالي نجد ما مثلك ليالي» من ألحان (سراج عمر).

ولعل مهرجان الجنادرية ساهم في إثارة غرائز الشعراء والملحنين لإطلاق أجمل ما لديهم فقدّم شاعر الوطن (إبراهيم خفاجي) رحمه الله أوبريت «عرايس المملكة» وقدم الموسيقار (طلال) الأوبريت الخالد «مولد أُمّة»، وتميّز الأوبيريتان بأنهما تحدّثا عن جميع مناطق المملكة وتاريخها وطرقت الموسيقى معظم الألوان الرئيسية السعودية.

أجدُ نفسي قد ظلمت الأغنية الوطنية الرياضية وأجدني مجبراً لذكر رائعة (طلال سلامة) أغنية «الله الله يا منتخبنا» والخالدة «جاكم الإعصار» والتي كتبها الأمير (عبد الرحمن بن مساعد) وأبدع في تلحينها وغنائها أخطبوط العود (عبادي الجوهر).

ماذا عن اليوم؟

لازال إبداع السعوديين مستمراً فقدموا بألوان عصرية أغان مثل «يا سلامي» لـ (راشد الماجد)، و«أبشرك» لـ (ماجد المهندس)، و«إنت ملك» لـ (رابح صقر).

أعتقد أنني يجب أن أتوقف عن كتابة هذا المقال لأنني منذ بدأته وحتى الآن وأنا أشعر بورطة حقيقية حيث أنني اضطررت للتغاضي عن الكثير من المعلومات المهمة والأغاني الخالدة لأنني للتوّ أدركت أن العنوان أكبر من أن يحتويه مقالٌ واحدٌ بكثير..

إدراكٌ جعلني أشعر بالرغبة بالشروع في كتابة كتاب أو بحث خاص في هذا الموضوع على أقل تقدير!

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق