الرأيكتاب أنحاء

كبرياء التفاهة فى بلاد الوجاهة

فى ظل ثورة الاتصالات التى نعيشها وانتشار مواقع التواصل الاجتماعى، لم تعد هناك حقيقة ثابتة ومحددة يمكن الرجوع إليها عند الاختلاف. فقط هناك مجموعة من مقاطع الفيديو على موقع اليوتيوب، ومجموعة من الصور على جوجل إيمدج، ومجموعة من المقالات والتعليقات الجاهزة على جوجل سيرش، ويمكن لأى شخص أن يصنع أى حقيقة يريدها، مهما بلغ به الخيال ومهما كان موقفه.

 الحقيقة أصبحت مجرد قدرة على الاختيار والتوليف ومعرفة بسيطة بقواعد التباديل والتوافيق. أى شخص يمتلك موبايل ولديه حساب على الفيس بوك يمكنه أن يهدم العالم ويعيد بناءه من جديد. فيمكننى أن أستخدم نفس الصورة أو مقطع الفيديو أو التعليق، وأصنع حقيقة مغايرة تماماً لحقيقتك التى تريد أن تفرضها علىّ، بل يمكننى أن أعارض نفسى وأصنع حقيقة مغايرة لحقيقتى الخاصة التى صنعتها بنفسى ولنفسى فى تاريخ سابق، إذا سئمت العيش فى كنفها، أو قررت أن اتبع هواى فأضل بعد كثير إيمان، أو أؤمن بعد رحلة ضلال بعيدة.

والخطورة ليست فى ازدواجية الحقيقة التى يفرضها وجود عالمين، أحدهما افتراضى والآخر حقيقى، لكن فى أن العالم الافتراضى هو الذى صار أكثر مصداقية، وأصبح على الحقيقة أن تتبع الخيال، وليس العكس. فكلنا يدس رأسه كله فى هاتفه الجوال طوال اليوم، معرضاً عن العالم الواقعى المحيط. كلنا يؤجل التعبير عن مشاعره الإنسانية لحين يفتح حسابه الفيسبوكى، ويتبادل مودته المؤجلة مع الآخر الحبيب، أو كراهيته المدخرة مع الآخر العدو. إن أى شخص عادى، لم يكن يحلم بأدنى درجات الشهرة أو النجومية، يمكنه أن يصبح محوراً للكون إذا كان يملك موبايل ولديه قناة على اليوتيوب.

إن الحقيقة لم تعد سابقة على الوجود كما قال كانط، ولا الوجود سابق على الحقيقة كما قال سارتر، لكنها صارت، فى ظل تقنية البث المباشر التى يوفرها الفيس للجميع، محايثة للوجود (الواقع). الحقيقة يتم صنعها فى ذات لحظة البث. فعندما تتكلم أمامى، أثناء بثك المباشر، لا تترك لى خيار التحقق من مدى صدق أقوالك بالرجوع إلى الواقع الذى تتحدث عنه، لأنك وواقعك وأقولك تقعون فى مرمى حواسى، فى لحظة حضور طاغية. شاهدنا ذلك فى الأيام الماضية عندما اختلف المصريون، فى واقعة فريدة وغير مسبوقة، حول ما إذا كانت هناك تظاهرات حدثت فى الميادين مساء السبت الماضى من عدمه.

فقد خرج البعض إلى الأماكن الخالية، مصوراً بكاميرا موبايله واقعاً مستقراً وهادئاً، فى حين خرج البعض الآخر إلى أماكن مزدحمة مصحوبة بالهتافات ليجسد واقعاً مغايراً. إن المشهد لم يعد ضبابياً كما كان فى ٢٥ يناير، وإنما صار واضحاً جداً، لكن بالنسبة لكل شخص على حدة. فكل واحد لا يرى إلا ما يريد أن يراه. والمشكلة لم تعد من الذى على صواب ومن الذى على خطأ، وإنما فى كوننا ننتقل من خيال إلى خيال ومن وهم إلى وهم فى دائرة دون كيشوتية مغلقة، نحارب فيها طواحين الهواء. فلماذا لا نتخذ نفس زاوية التصوير، لنرى ذات المشهد، ونتفق على حقيقة واحدة؟

يذكرنى هذا المشهد بمسرحية تجريبية كتبها الكاتب الكبير السيد حافظ عام ١٩٧٠ بعنوان ”كبرياء التفاهة فى بلاد اللامعنى”، تقوم أحداثها على هامش مباراة هامة فى كرة القدم، و تنتهى بخلاف حاد بين كل الشخصيات، ما بين مشجع متحمس لدرجة الجنون، ومنكر لحدوث المباراة من الأساس. وقد لاقت المسرحية وقتها هجوماً نقدياً عنيفاً، لأنها كانت مثقلة بالرموز والإيماءات، التى رأى فيها البعض نوعاً من التغريب. غير أن المسرحية أثبتت أنها كانت سابقة لعصرها، وها هو الواقع يأتى بنحو أكثر تجريبية وغرائبية.

فإذا كانت المباراة فى المسرحية هى محور الشك، باعتبارها تعبيراً عن زمن باتت فيه التفاهة مصدراً للكبرياء، فإن المباراة فى زمننا باتت هى اليقين الوحيد الذى لم يختلف حوله أحد، بينما خيم الشك على كل شئ.

ربما كان أهم ما فى المسرحية عنوانها الغريب، و أحداثها المثيرة، لكن يظل الأكثر غرابة وإثارة، هو تساؤلها العميق، الذى لم يعثر على إجابة حتى الآن، بالرغم من مرور نصف قرن على العرض الأول للمسرحية، لماذا يختلف الذين يعيشون نفس المعاناة حول معنى الظلم؟!

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق