الرأيمقالات الصحف

من مايكل جاكسون حتى BTS الكورية..!

الحكم على الشيء فرع من تصوره كما يقول أهل الأصول، ومتى ما كان تصورك تجاه الأشياء من حولك سطحياً أو لا يلامس زوايا الحقيقة فإن حكمك سيكون تبعاً لذلك التصور السطحي !

من السهل على كل منا أن يصف شيئاً ما حوله بالتفاهة أو الهوس، ولكننا حتى مع ذلك الوصف لا نفعل سوى أننا نتقوقع على أنفسنا ولن يتغير شيء من حولنا البتة، بل إننا نعطي المبررات الأقوى لمن ننتقدهم بأن يكونوا أكثر تعصباً لما يحبون أو يهتمون به، وأخطر ما يقوم به جيلي أو الجيل الذي سبقني هو وصم الجيل الذي بعده بالتفاهة والمراهقة والهوس والنقص العاطفي !

في التسعينات الميلادية وهي فترة المراهقة لمن هم في جيلي ورغم عدم وجود هذا التواصل الفضائي والمعلوماتي الرهيب بين أنحاء الكرة الأرضية كانت موسيقى وأغاني مايكل جاكسون هي الصوت الأعلى عند الشباب، رغم كل المد الرهيب والعنيف أحياناً ضد كل معجبي مايكل بأغانيه ورقصاته وسحباته !

واليوم ربما أقف أنا وجيلي في ذات الموقف الذي وقفه من سبق جيلنا في التسعينات الميلادية تجاه المعجبين بفرقة BTS الكورية، ذكرت لبعض الأصدقاء عندما كنا نشاهد بعض اللقطات عن التزاحم الكبير قبل بدء موعد حفل BTS بخمس ساعات تقريباً ملأوا جنبات استاد الملك فهد لدرجة أنه لو كانت BTS حفلة مجانية بجوار منزلي لما تعنيت ولا فكرت في الذهاب إليها !

نحن حقيقة نعيش فجوة رهيبة بين الأجيال ولن يحل هذه الفجوة انتقاد السابق للاحق، بل فهم ما يفعلونه ويهتمون به ويعيشونه في هذه القرية العالمية التي جعلت المسافة ما بين ألاسكا وسيئول هي ذات المسافة ما بين حواسنا وشاشة الجوال التي لا تفارقنا، فهؤلاء الذين يطيرون فرحاً عندما يسمعون أو يشاهدون أعضاء الـ BTS ليسوا كائنات فضائية هبطت علينا من السماء بل هم أولادنا وبناتنا وإخواننا وأخواتنا الذين عاشوا بيننا ودرسوا في مدارسنا وصلوا معنا في مساجدنا، ولدى كل منهم اهتماماتهم ومستقبلهم ونجاحاتهم الدراسية والعملية ومستقبل كبير يرسمونه لأوطانهم وأنفسهم، وليسوا كما نصفهم البتة مجرد تافهين مراهقين مهووسين، لأن ذلك في كل الأحوال لن يغير من قناعاتهم شيئاً..

علينا أن نفهمهم ونقترب من زمانهم، على الأقل أن نتوازن معهم حتى لا يحدث انقطاع بين الأجيال ونصحو على مفاجآت كبرى قد لا تسرنا !

لست في طور تحليل الفجوات الثقافية والاجتماعية بين جيل موجود في السعودية كما هو في أي بلد آخر، وجيل سابق يبدو أنه يريد أن يوقف عجلة الزمن التي لن تتوقف، ولكني سأقترب قليلاً من الفرقة الكورية التي غنت ضد التنمر والعنف والعنصرية وحب الذات الإنسانية والاعتزاز بها، وأسأل في ختام مقالي: هل في فن الغناء العربي والسعودي موضوعات وقطع أدبية مغناة تتناول تلك المعاني وتغوص في مشاعر من هم في سن الطفولة والمراهقة تجاه ما يشعرون به ؟ هل لدى مشاهير الغناء العربي رسالة يحملونها ؟ أم أنهم يستهلكون ذات الموضوعات التي يتم استهلاكها منذ نشأة الغناء العربي قبل 1500 عام، والتي تبدأ بلواعج الحب للمرأة وتدور حولها وتنتهي بها ؟! هل نحتاج إلى حركة «ديوان» عصرية كما حدث في منتصف القرن العشرين على يد العقاد والمازني وشكري تتمرد على الأساليب الأدبية والثقافية القديمة التي أثرت في الفن عموما ؟ ما الذي يحتم علينا أن نصله بما قبله وما الذي لا مشاحة فيه أن تنقطع عنه الأجيال القادمة ؟ كل هذا أو بعضه هو ما سأتناوله في مقالي القادم في «عكاظ» إن كنت وإياكم من الأحياء.

المصدر
عكاظ
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق