الرأيكتاب أنحاء

نوبل وأدونيس وهاندكه وصربيا الكبرى

“لم أفكر يوماً في أنه بسبب جائزة نوبل سأشعر بالرغبة في القيء”. إدي راما.

أما “إدي راما” هذا فهو رئيس وزراء ألبانيا، وقال ما قاله تعليقاً على فوز المؤلف النمساوي “بيتر هاندكه” بجائزة نوبل للعام 2019 قبل أيام، وقد برّرت لجنة الجائزة عبر “ماتس مالم”، السكرتير الدائم الجديد للأكاديمية السويدية، إن “هاندكه” حصد الجائزة “لأعماله المؤثرة التي تميّزها براعة لغوية؛ تستكشف محيطا وخصوصية التجربة الإنسانية”.

أتابع من أكثر من ثلاثين عاماً بشغف هذه الجائزة التي يترقّبها العالم، وباتت حلم علماء الطبيعة كأرفع وسام ينالونه في حيواتهم المهنية التي يقضونها في المعامل، بينما تشرئب أعناق أدباء العالم –سنوياً  لمعرفة الأديب المحظوظ الذي سينال الجائزة. وكل عام؛ نحن على موعد مع جوقة الشاعر أدونيس، وقد هللوا بإبداعه، وملأوا الصفحات الأدبية العربية بقرب نيله الجائزة، وملأوا أسماعنا بإنجازاته ومؤلفاته، ليعود هؤلاء المريدون شتماً وسخطاً وتشكيكاً في الجائزة وأهدافها، بعد اعلان الفائز، وهكذا دواليك، حتى بتُّ أدعو الله أن يناله كي نفتك من زورهم قبل الجائزة، وبكائياتهم بعدها.

لمرات عديدة، وفي سنوات فارطة، كنا نتناقش، مجموعة مثقفين عن السعوديين الذين يمكن أن نرشحهم لهذه الجائزة العالمية، وكانت الأغلبية تتحسّر بعدم وجود اسم سعودي ثقيل نرشحه للجائزة، وكنت –شخصياً- أطرح اسم الناقد الأدبي الكبير عبدالله الغذامي، والمفكر الدكتور تركي الحمد، مع بضعة أسماء أخرى؛ فهم الأفضل في المجموعة السعودية الموجودة على الساحة، بيد أن اسماً شرعياً لمع خلال السنوات الثلاث الماضيات، أراه جديراً ومستحقاً بكل صدق أن يرشّح، وهو معالي الشيخ د. محمد العيسى، الذي قام بجهود خلّاقة في تحسين صورتنا وديننا الإسلامي في العالم، وتصدّى بقوة لفكر التطرف، وفكك كثيرا من أدبيات داعش والإرهابيين، وقدّم رؤى حداثية لإسلامنا في قضايا عصرية شائكة، أبهرت الغرب والعالم الإسلامي، وعدّل من نظرة العالم تجاه ديننا بعد أن عمشت برؤى بن لادن والبغدادي والزرقاوي وغيرهم ، ونال الرجل جائزة الاعتدال العام الماضي من يد الأمير خالد الفيصل، وسمعته يقول على ذاك المنبر: “ليس المتشرّف بكم سوى ناقل للاعتدال السعودي إلى عدد من المنصات في المحافل الدولية، عبر حوارات ومبادرات وبرامج عملية”، وأنه ليس سوى مترجم لرؤية خادم الحرمين الشريفين وعضيده الأمير محمد بن سلمان للعالم.

أعود للفائز بجائزة نوبل “هاندكه”، وقد قوبل باحتجاجات عارمة، خصوصا في منطقة البلقان، ففضلاً عن تعليق رئيس الوزراء الألباني، علق وزير خارجية كوسوفا السابق “بيتريت سليمي” على هذا القرار، قائلا : “مرحباً جائزة نوبل، هل تعلمون أن هاندكه كان يدعم الحصار على سراييفو، وشرب الخمر مع الجنود الذين يقتلون الأطفال من خلال عمليات القنص، وقال: إن المسلمين يقتلون أنفسهم؟ مقزز. هذا هو القرار الأكثر هجومية”.

النمساوي “هاندكه”، هذا الفائز بنوبل، مؤمنٌ كامل الإيمان بأحد طغاة التاريخ الحديث، وهو الطاغية الصربي “سلوبدان ميلوسوفيتش”، صاحب المجازر الشهيرة في البلقان، لذلك لم يكن الاحتجاج من المسلمين فقط، إذ احتج  الكروات أنفسهم عليه، وكان “هاندكه” مدافعاً عن ذلك الجزار الدموي، ومؤيداً لفكرة “صربيا الكبرى”، الذي تبناه الهالك “ميلوسوفيتش”، وأقام المجازر الشنيعة في منتصف التسعينات في البوسنة والهرسك وكوسوفا، لتحقيق ذلك الحلم، وقاد القوميين المتطرفين من قومه في صربيا بقوة.

سطّرت عن تلك الشخصية الدموية، التي آمن بها ودافع عنها صاحب نوبل هذا العام، في كتابي “14 يوماً في كوسوفا”، وكتبت عن فكرة “صربيا الكبرى” هاته، التي تعود لأكثر من ستة قرون، إلى القيصر الصربي الأشهر “لازار”، مُلهم “ميلوسوفيتش” وبقية القوميين المتطرفين من الصرب. هذا القيصر هزمه العثمانيون عام 1389م، في ساحة وقفتُ عليها قبل عامين بالقرب من “بريشتينا” عاصمة كوسوفا، و”لازار” يرفعه اليوم قوميو الصرب لمنزلة القديس والمسيح، وبعث “ميلوسوفيتش” كل أقواله المتطرفة، وأعادها للحياة.

عندما زرت ساحة المعركة التي غيّرت وجه أوروبا من الشرق، ثمة نصبٌ كبير مقدّس عند الصرب،  يدعى “كازيمستان”، منقوشٌ عليه من تلكم  الأزمنة، ما يسمونه “لعنة  لازار”، التي قال بلعنته الأبدية تحشيداً لقومه، وتشجيعاّ لقتال العثمانيين الغزاة الذين أتوا أرضهم، ودلالة على أهمية المعركة الفاصلة التي كان يقودها ضد المسلمين، وكان نصّ لعنته التي حفظها الصرب جدّاً لحفيد، ومسطّرة عندهم إلى الآن:

“من كان صربياً أو صربيّ المولد،

أو صربيّ الدم والمحتدّ،

ولا يأتي إلى معركة كوسوڤو؛

عسى ألا يرى خَلفاً يشتاق قلبه إليه،

لا من البنين ولا من البنات..

وعسى ألا ينمو ما تذروه يداه،

لا نبيذٌ داكنٌ، ولا خبزٌ أبيض!

 ملعونٌ هو من كل الأزمان إلى كل الأزمان!”.

 استطاع لازار بلعنته تلك جمع كل الصرب، في جيش ضخم جداً، لدرجة أنهم كانوا يردّدون: “لو أن السماء وقعت؛ لتلقيناها بأسنّة حرابنا” بين جنود هذا الجيش اللجب، من فرط خيلائهم واعتدادهم بأنفسهم، وهزمهم السلطان العثماني مراد الأول بعد معركة ضروس، وكان ذلك قبل فتح “القسطنطينة”. لذلك عندما ألغى “ميلوسيفيتش” الحكم الذاتي الذي كان يتمتع به الكوسوفيين من عهد “تيتو”؛ استحضر في خطبته النارية عام 1989م، التي حشد فيها التاريخ والتعصّب القومي والديني؛ هذه المعركة، وقال: “معركة كوسوفو بدأت قبل ستة قرون، وانتهت اليوم، ونحن مستعدون أن نضّحي بثلاثمائة ألف مقاتل صربي لاستئصال الإسلام”، قالها ذلك المأفون الهالك في ذات ساحة المعركة، وعند هذا النصب الذي وقفتُ عليه، وأمام أكثر من مليون صربي متعصّب أيدلوجياً، امتلأوا بهذا الخطاب القومي المتطرف، لينطلقوا بعدها بارتكاب أبشع المجازر وجرائم الحرب الإنسانية،  وصدق ألبرت أينشتاين:” القومية مرضٌ طفوليٌ، هي حصبةُ البشرية”.

غنيٌ عن القول، أن استمطار المأثورات القومية المتطرفة من لدن “ميلوسوفيتش” على أتباعه وجنوده الصرب؛ أدت لتلك المجازر في البوسنة وكوسوفا في منتصف وأواخر تسعينيات القرن الفارط، لذلك كانت النقمة الشديدة من مسلمي البلقان عموما على نوبل لاختيارها هذا النمساوي الذي كان يدافع عن ذلك التطهير العرقي والديني، وصاحبها، وعن فكرة صربيا الكبرى، التي تفسرها تلكم المثيولوجية الصربية التي ترى أن هزيمة القيصر “لازار” في حرب كوسوفا وموته في ميدان الحرب؛ كان بداية فقدان الأمَّة الصربية لاستقلالها، وسقوطها أسيرة في يد العثمانيين لستة قرون؛ حيث يُجْمِع أنصار القومية الصربية في القرن التاسع عشر على أن موت  القيصر “لازار”؛ يمثِّل موتًا للأمة الصربية بأسرها، وبذلك حوَّلوا “لازار” إلى شخصية المسيح، ووفقًا لهذا المفهوم ينصبُّ غضبهم على الأتراك والبُوسْنِيين المسلمين بصفتهم قَتَلَة المسيح، وسينهض الشعب الصربي من جديد لدى قضائه على أحفاد ونسل قَتَلَة “لازار”.

أعود بكم لهذا النمساوي، المثير للجدل، والفائز بنوبل هذا العام، وأفاجئكم بأن “هاندكه” قال -في حوار صحفي له- أنه يعرف اللغة العربية الفصحى، ويقرأ بها القرآن الكريم، ولا تسألوا عن مفاجأتي ووجومي، وقد ران عليّ، وتوقف بي التفكير، وأنا أتلقى هذه الصدمة، أثناء قراءتي وبحثي لإعداد هذه المقالة، وأنقل لكم أيضا من الملحق الثقافي لصحيفة الاتحاد الإماراتية (20 أغسطس 2014 )، من ذات الحوار، الذي أجراه معه الصحفي الفرنسي “آلكسندر لاكروا”، قوله: “الإيقاع يمنح الكلام خاصيته الجمالية، كما في القرآن: إيقاع النص. فضلاً عن ذلك، يُعتبر القرآن الكتاب الوحيد الذي لا يمكن ترجمته على وجه الإطلاق إلى أي لغة في العالم”.

السؤال أخيراً: هل يصحّ لنا الفصل بين سلوك وفكر الأديب من جهة، وإبداعه من جهة أخرى؟ ذاك سؤال المليون للجنة جائزة نوبل.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق