الرأيكتاب أنحاء

الفلسفة تحت المطر

لم ولن تهتز قناعتى يوماً بأن الفلسفة صنو الحياة، وأن الواقع اليومى مهما بدا بعيداً ومبتذلاً، ولا يرقى إلى مصاف التأمل التجريدى، سيظل مصدراً هاماً للحكمة بكامل تجلياتها فى ميادين الحق والخير والجمال.

ومن هذا المنطلق أدعو دائماً للتحلى بالحكمة والعمل على اكتساب مهارات العيش وفقاً لما تمليه متطلبات العقل والمنطق وحدس الشعور المنتج للمعرفة.

ولأنى مؤمن بأن الواقع، مثل الخيال، يمكن قراءته وتأويله واستخلاص الدلالة منه، فإننى سأحاول تقديم قراءة فلسفية لوقائع هطول الأمطار التى حدثت فى محافظات مصر الأسبوع الماضى، وبلغت فى حدتها، و حجم خسائرها ما جعل الحكومة تصدر قراراً بتعطيل الدراسة فى المدارس والجامعات فى يوم الأربعاء الماضى صبيحة اليوم التالى لهطول الأمطار. وذلك من واقع ما أذاعته القنوات الفضائية ووسائل التواصل الاجتماعي.

من المشاهد الملفته، فى هذا السياق، مشهد اللودر الذى كان ينقل المارة من الأماكن الغارقة فى المياة إلى الأماكن الجافة. المشهد كان يعكس قدرة الدولة على التدخل لإنقاذ المواطنين من الغرق، فاللودر يرمز إلى السلطة الفائقة التى تعلو على الأزمة وعلى المواطن المأزوم، بما تملكه من يد حديدية وذراع طولى تمتد لتصل إلى كل مكان.

مشهد آخر يدور أمام أحد البنوك، ويصور أحد العمال، وهو يغوص فى المياه بقدميه، ويدفع كرسياً مزوداً بعجلات، لينقل مديرة البنك من أمام البوابة الخارجية حتى باب سيارتها. وبالرغم من أن المشهد ينطوى فى الظاهر على موقف شهم من العامل، إلا إنه يعكس فى ذات الوقت علاقة طبقية، بل عنصرية، بين نوعين من البشر أحدهما خلق ليكون خادماً طوال الوقت، والآخر خلق ليكون مخدوماً طوال الوقت. وليس أدل على ذلك من إَستخدام الكرسى فى نقل المديرة، وهو رمز للسلطة، وعلامة مميزة للفوراق الطبقية والاجتماعية داخل البنك، وداخل الدولة ككل، وهى الفوارق التى عجزت الأمطار عن إذابتها، ولتظل العلاقة ثابتة، كما هى، داخل البنك أو خارجه، تحت حر الشمس أو تحت زخات المطر.

مشهدان آخران لا يخلوان من دلالة، أحدهما لرجل يجلس فوق مياة المطر ممسكاً بسنارة لاصطياد السمك، والآخر لمجموعة من المواطنين يستقلون مركباً يعبرون به الطريق داخل مياة الأمطار، ويعلق المصريون على المشهد بكونه هجرة غير شرعية من عين شمس إلى شبرا. والمشهدان يعكسان روح الدعابة التى يتمتع بها المصريون، وتعتبر سلاحهم الفعال فى مواجهة الأزمات. والحقيقة أن روح الدعابة لدى المصريين، إنما تعنى أن المصريين لا يجيدون صنع الحلول الجذرية لمشكلاتهم، ولا يجيدون فن إدارة الأزمات، بقدر ما يملكون القدرة على التعايش مع المشكلة، والتكيف مع تداعيات الأزمة.

فنظرة بسيطة على أفلام الأبيض والأسود القديمة يمكن أن تكشف لنا كيف أن مشكلات الماضى البعيد مازلت كما هى، لم تحل حتى الآن!!

هذا عن السلوك العملى الذى أبداه المواطنون المصريون تجاه الأزمة، فماذا عن تفسير الأزمة وطريقة التفكير فيها؟

كشفت وقائع هطول الأمطار بهذا الشكل الكارثى عن وجود فجوة كبيرة بين النظر وبين العمل، فالمصريون تعاملوا مع الأزمة، على مستوى السلوك، بنحو واقعى ابتكارى، وعلى مستوى النظر، بنحو خرافى يجنح فيه الخيال بعيداً. يتضح ذلك فى اللغط الذى دار على مواقع التواصل الاجتماعى حول أسباب سقوط الأمطار على محافظات مصر بهذه الغزارة. فقد شاع بين الناس أن هذه الأمطار ماهى إلا أحد تجليات الحرب الخفية التى تشنها إسرائيل على مصر من أجل التحكم فى الطقس وفى عقول المصريين من خلال ما يعرف ب”الكميتريل”. ويعنى هذا الأخير التأثير الكيميائى فى الطقس.

وبالرجوع إلى أصل المصطلح تبين لنا أن ”الكيمتريل” هو واحد من الظواهر الغامضة، والتى هى محل خلاف على المستوى الدولى، خاصة فى أمريكا. فمنذ سنوات بعيدة، و الأمريكان يشاهدون هذه الظاهرة، المتمثلة فى سحب دخانية تخترق السماء وتظل لفترات طويلة قبل أن تختفى، وينظرون إليها بعين الريبة على اعتبار أنها واحدة من أساليب الهيمنة الذى تمارسها الدولة على مواطنيها بهدف إخضاعهم لإرادتها. فهذه الأدخنة، وفقاً لهذا الرأى، تسبب العقم وتتلاعب بالعقول وتسهم فى إحداث اضطرابات بالطقس.

والحقيقة أن المسألة تختلف فى أمريكا والدول الأوربية عنها فى مصر. فقد انتقل الجدل من الشارع ومواقع التواصل الاجتماعي إلى المعاهد العلمية، ومراكز البحوث الأكاديمية من أجل الوصول إلى حقيقة هذه الظاهرة. وبعد أبحاث عديدة لم يثبت، حتى الآن، صحة ما أثير حول هذه الظاهرة، فذهب البعض إلى أنها لا تعدو أن تكون مجرد دخان تخلفه الطائرات وراءها، وذهب البعض الآخر إلى أنها تختلف عن دخان الطائرات وتحتوى على بعض العناصر الكيمائية، التى قد يكون لها بعض الأضرار بالإنسان أو بالطبيعة، لكنها لا تصل إلى درجة التأثير فى المناخ، أو فى عقول البشر.

والذى يعنينا فى هذه المسألة، هى أن المصريين، مثل الكثيرين من العرب، مازالوا يتبنون ”نظرية المؤامرة” فى تفسيرهم للظواهر المحيطة بهم، حتى لو كانت ظواهر طبيعية. ونظرية المؤامرة، للمفارقة، تنطوى على خاصيتين متعارضتين. فهى تشبه الفلسفة من جهة كونها تقدم رؤية كلية للعالم، وتشبه الخرافة فى كونها لا تتأسس على العلم أو المنطق، ولكن على الشائعات.

وهنا ينبغى أن يلاحظ أن المصريين، فيما يبدو، يجيدون التعامل مع الظواهر بشكل جزئى مباشر، دون القدرة على تقديم رؤية كلية، علمية أو فلسفية لتفسير هذه الظواهر. ولعل فى ذلك ما يفسر شيوع النكتة والأغنية والمثل الشعبى، وغياب النظرية العلمية والرؤية الفلسفية فى الثقافة العامة.

إننا فى حاجة إلى تعميق السطحى والتسامى بالجزئى، و الإمساك بالعابر الزائل، وقدر كبير من المران، حتى يمكننا فهم أبجديات الواقع وقراءته بنحو ما نقرأ نص وجودى عظيم.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق