الرأيكتاب أنحاء

مصطفى محمود.. والعودة إلى الإيمان

عرفت د. مصطفى محمود فى مرحلة مبكرة من حياتى، وهى تحديداً مرحلة الصبا. عرفته من خلال كتبه وبرنامجه التليفزيونى الشهير ”العلم والإيمان”. فقد كان مصطفى محمود بالنسبة لنا، أبناء جيل الثمانينيات، هو الكاتب المفضل، والشخصية الكاريزمية التى نحرص على معرفة أخبارها، مثله مثل أنيس منصور الذى كان يحظى بنفس المكانة فى نفوس الشباب فى ذلك الوقت، ومثل أحمد خالد توفيق فى وقت لاحق.

لكن فى مرحلة الجامعة، وفى محاضرات الفلسفة، عرفت من أساتذتى صورة أخرى لمصطفى محمود، صورة شائهة ومنفرة، فقد وصفه البعض ب”بالتلفيقى”، وأصر البعض الآخر على حذف إسمه من بحث علمى كنت أقوم بتحضيره. وعندما توفى عام 2009 لم يحضر جنازته أحد من المثقفين أو المسؤلين فى الدولة، وعندما حلّت ذكراه الأخيرة يوم ٣١ أكتوبر الماضى وصفه بعض المثقفين بالأفاق .

وفيما يبدو أن هناك مشكلة بين مصطفى محمود والمثقفين بعامة، وبينه وبين المشتغلين بالفلسفة على وجه الخصوص. هذا بالإضافة إلى مشكلته مع الدولة، التى أوقفت برنامجه ”العلم والإيمان” بقرار رئاسى فى عصر مبارك.

لا أدرى سبب مشكلته مع الدولة غير أنه لم يكن مثقف سلطة، يكتب ما يمليه عليه النظام، ولم يكن يسعى، مثل الكثيرين من المثقفين، إلى تقلد المناصب، فقد رفض الوزارة عندما عرضها عليه السادات، وآثر العزلة والتفرغ للتأمل والبحث والكتابة.

أما عن سبب مشكلته مع المثقفين، فيرجعه الإعلامى محمد ناصر إلى شجاعة مصطفى محمود وعفويته، التى كانت تجعله يتحدث بكل صراحة ووضوح أمام أصدقائه من المثقفين، الذين كان يختلف معهم، دون أى محاولة للتمويه أو تجميل الحقائق. وقد وضح ذلك، فى رأى ناصر، فى اللقاء الفكرى الذى تم فى دار الأوبرا المصرية بينه وبين أساطين الفكر والفن والأدب فى ذلك الوقت، وفى حضور الشيخ محمد الغزالى.

ففى هذا اللقاء صرّح مصطفى محمود باختلافه مع عبد الوهاب حول قيمة الفن والأدب عند الله سبحانه وتعالى لحظة الحساب. عبد الوهاب كان يرى أن الفن قيمة فى ذاته، والفنان يكفيه أن يلقى الله بأعماله الفنية حتى لو كانت مجرد غناء، فى حين أن محمود كان يرى أن الأعمال الأدبية والفنية ما هى إلا مجرد كلام. وهى بهذه المثابة لا ترقى إلى مستوى العمل النافع الذى يمكن للإنسان أن يطمئن إليه عند ملاقاة ربه يوم الحساب. ومن هذا المنطلق كان اتجاه محمود إلى أعمال البر وبناء مسجد كبير، يحتوى على ثلاثة مراكز طبية وأربعة مراصد فلكية، ومتحف للجيولوجيا، ليحقق بذلك فكرة الجمع بين العلم والإيمان على أرض الواقع.

اختلف أيضاً مصطفى محمود مع محمود أمين العالم، عندما انتقد الماركسية وتنبأ بانهيار النظام الشيوعى فى الاتحاد السوفيتى، بعد أن كان العالم معجباً به أيما إعجاب بعد صدور كتابه ”الله والإنسان”. والطريف أن هذا الكتاب، وفقاً لرواية مصطفى محمود نفسه، أعجب الشيوعيين وأغضب الإسلاميين، بينما تحول الموقف فى مرحلة لاحقة عندما تحول محمود إلى الكتابات الإسلامية، فرضى عنه الإسلاميون وغضب منه الشيوعيون.

ربما تفسر لنا قراءة ناصر موقف المثقفين من مصطفى محمود، لكن يظل موقف المشتغلين بالفلسفة من محمود فى حاجة إلى تفسير. والحقيقة إننا إذا عدنا إلى اللقاء الفكرى الذى أشرنا إليه، وبقليل من التأمل، أمكننا أن نضع أيدينا على شئ من الحقيقة. ويكمن هذا الشئ فى موقف مصطفى محمود من القرآن، فهو يصف شعوره عندما قرأ القرآن فى تجربة مباشرة، متخلصة من الأحكام المسبقة، بأنه أحسه شيئاً مغايراً عن الشعر والنثر وأى لون آخر من ألوان الكتابة، إنه نسيج وحده. وقاده شعوره هذا إلى أن هذا الكتاب من عند الله، ولا يمكن لبشر أن يكتب مثله.

 ليس هذا فحسب، بل إن محمود استغرق فى تأملاته حول الجزيرة العربية، مهبط الوحى، وكيف أن مجموعة البدو التى كانت تعيش هناك، فى ذلك الوقت، استطاعت أن تصنع حضارة كبرى تقود العالم كله. وتوصل إلى أن المسألة برمتها إنما ترجع إلى وجود قوة فوقية تحرك الأحداث، وأن ثمة حكمة إلهية هى القادرة على تفسير الكون وإضفاء معنى على الحياة.

و الإشكالية تنبع من أن رؤية محمود الإيمانية، القائمة على التسليم، تنطوى على قدر كبير من الميتافيزيقا يتعارض مع الاتجاه العقلى التنويرى الذى يتبناه فلاسفة هذا العصر من أصحاب المشاريع الفكرية النهضوية، الذين لا يرون للنهضة من سبيل سوى تحكيم العقل وتنقية الدين من الخرافة. والخرافة عند أنصار هذا الاتجاه هى كل ما يتجاوز التجربة الحسية ويفلت من سيطرة العقل. وبهذا المعنى لا يقنع هؤلاء إلا بالدين العقلى أو اللادين. فيمكن التضحية بأى قيمة عدا قيمة العقل، ويمكن زعزعة أى سلطة عدا سلطة العقل. ومن أجل تحقيق الهدف النهضوى التنويرى العلمى لا سبيل أمام هؤلاء سوى إزاحة الله أو الوحى أو التاريخ، ولا يتم ذلك، للمفارقة، بأساليب علمية منضبطة ولكن بحيل فكرية لا تخلو هى أيضاً من الخرافة أو الميتافيزيقا.

وفى هذا السياق، يُعد مصطفى محمود حالة فريدة، لأنه استطاع أن يجمع بين العقل والحدس، بين التفكير والتسليم، بين العلم والإيمان. والمسألة بهذا المعنى لا يمكن اعتبارها نوعاً من التلفيق كما وصفها البعض، ولا التدليس كما وصفها البعض الآخر، ولا التخريف كما وصفها البعض الثالث. فمصطفى محمود ينطلق من خلفية علمية لم تتوفر لأى من معارضيه، كما إن لديه تجربة تأملية ذاتية، خاضها، بإخلاص، سعياً للوصول إلى الحقيقة الخالصة، لا سعياً للحصول على منصب أو مال أو شهرة أو درجة علمية.

لقد أخلص مصطفى محمود فى سعيه نحو الحقيقة، فلم يجد باباً أمامه إلا وطرقه، من العقل إلى القلب إلى الروح، ومن العلم إلى الفلسفة إلى الدين. وفيما يبدو، فإن حركة محمود التطورية جاءت معاكسة لحركة العلمانيين من دعاة التنوير، فلم يبدأ من الموروث الدينى لينتهى إلى العقل النقدى، وإنما بدأ من العلم لينتهى بالإيمان. فالعلم، كما ورد بأقواله، عجز عن الإجابة على الأسئلة الكبرى، فاتجه إلى الفلسفة، ولما كانت الفلسفة تثير التساؤلات أكثر مما تقدم إجابات، فقد انتقل إلى الدين كمحطة أخيرة فى رحلة البحث المضنية. ربما لأن الأسئلة والأجوبة موجودة فى الدين، وربما لأن الإيمان بوجود إله هو الضامن للحقيقة.

إن رحلة التحول من الشك إلى الإيمان، هى واحدة من الظواهر الثقافية والفكرية التى لا تروق للمثقفين التنويريين من حملة لواء العقل و العقلانية، ولا للمفكرين الارتيابيين،  الذين يتبنون شكاً مذهبياً ولا يعتقدون فى بداية أو نهاية لأى شئ، وإنما فى تساؤل مستمر دون رغبة حقيقية فى الوصول إلى إجابة. وفى هذا السياق، يتساءل حسن حنفى عن سر تلك النزعة الارتكاسية التى تصيب رواد النهضة والتنوير فى مصر، بحيث يبدأ المفكر عقلانياً نقدياً، وينتهى إيمانياً إسلامياً، وبعد أن كان ناقداً للدين يتحول إلى مدافع عن الإسلام مثلما حدث لطه حسين وزكى نجيب محمود وعبد الرحمن بدوى.

والحقيقة إنها ليست ارتكاسة بقدر ما هى وعى بقدرات العقل وحقيقة الميتافيزيقا. فالمثقفون، فى مصر والوطن العربى عموماً، مازالوا يتمسكون بالعقل بالمعنى الديكارتى المجرد، المستمد من الرياضيات، وهو فى الحقيقة مفهوم ضيق لا يصلح للتطبيق إلا على الطبيعة المادية والأمور التى يمكن إدراكها بالحواس. كما أنهم مازالوا يرفضون الميتافيزيقا بمعناها المنتمى للعصور الوسطى باعتبارها فئة منطقية تحتوى على كل ما له علاقة بالخرافة. والمفارقة أن كلا المفهومين قد تم تجاوزهما بمعناهما التقليدى فى الفلسفة الغربية، التى استعرنا منها نموذج النهضة وضمنّاها فى مشاريعنا التنويرية الرامية إلى التقدم والتغيير.

إن دعوة ”العودة إلى الإيمان”، إنما هى شعار يرفعه مفكرو الغرب المعاصرين بعد أن وصل الإنسان، بالعلم دون الإيمان، إلى طريق مسدود. وبعد أن أدرك الغرب ألا تعارض بين العقل والميتافيزيقا، بين الإنسانى والإلهى، بين العلم والإيمان.

بقى للمثقفين والفلاسفة المصريين أن يدركوا ألا تعارض بين أن تكون مفكراً عقلانياً تنويرياً نهضوياً وألا تعادى مصطفى محمود!!

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق