الرأيكتاب أنحاء

بعض التاريخ.. “موسوليني” ومسلمي الحبشة

صدر لي حديثا كتاب “جولة في بلاد النجاشي أصحمة” عن دار الرشد، وفيها سرد لرحلتي في أثيوبيا قبل عشرة أعوام تقريبا، حيث زرت مدنا عديدة، بيد أن من أغرب مشاهداتي التي رصدتها في منطقة (جِمّا)؛ وجود بقايا الاستعمار الايطالي في المنطقة لهذا اليوم.

الإيطاليون أعجبوا كثيرا بهذه المنطقة وأعطوها اهتمامهم، ويحكي لنا أحد سكان هذه المدينة وهو الأخ “قايد مصلح” وأصوله تعود لليمن، وقد ضافنا في بيته، بأن جدّه يحكي بكثير من التقدير والحبّ عن الايطاليين وما فعلوه لهم من خير، وأن هؤلاء الطليان أحسنوا كثيرا لأهل المنطقة في تعاملهم وخدمتهم للمنطقة.

بل إن أكبر مسجد هناك بتلك المنطقة، كان من بناهُ هؤلاء الطليان. يحكي الأخ قايد عن جدّه الذي كان حاضرا تلك الفترة أن الطليان أحضروا للافتتاح إحدى الشريفات من (أسمرا) كنوع من التقدير للمسلمين، وكان شائعا في تلك الفترة أن يفتتح المساجد من باب البركة لها أحد الأشراف من نسل رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أتذكر أن الأخ قايد أخذنا في جولة بالمدينة، وأرانا آثار الايطاليين هناك، والله أنني ذهلت من قوة بناء المباني وتماسكها إلى هذا الزمن، برغم مرور حوالي ثمانين عاما عليها،  وأروني مبنى البريد المركزي ومجموعة دوائر حكومية، وأيضا وصالة السينما التي ما زالت بحالها من جودة بنائها، بل هناك شارع كامل كان خاصا بهؤلاء الايطاليين قمت بتصويره، ما زلت أتذكر دهشتي وأنا أجوب بين تلك البنايات التي كان معظمها خلوّا، فرددت في جنباتها أبيات النابغة الذبياني:

وقفتُ فيها أصيلاً كي أسائلَها

 عيّتْ جواباً  وما  بالرَّبعِ  مِن أَحدِ

أضحتْ خلاءً وأضحى أهلُها احتمَلُوا

 أخنَى  عليها  الّذي  أخنَى  على   لِبَدِ

يحكي المؤرخ العراقي “ممتاز عارف” بأن الايطاليين كانوا عكس البريطانيين والفرنسيين في مستعمراتهم، فقد أتوا بجميع طبقات المجتمع، والمهرة في الصناعات، وقاموا بتوطينهم في الحبشة، وكان غرضهم فعلا أن يبنوا في البلد؛ ليحصدوا فيما بعد خيراتها. حتى إن الإمبراطور “هيلاسلاسي” عندما أرجعه البريطانيون بعد جلاء الطليان، هتف من روعة ما أقامه “موسوليني” قائلا: “لو كنا علمنا مسبقا بهذا القدر من العمران الذي حصلت عليه البلاد، لكنا أجّلنا عودتنا فترة أطول، ريثما يتم أصحابنا الايطاليون تنفيذ بقية برامجهم”.

رصدت في كتابي قصة غزو إيطاليا للحبشة، إذ في خريف عام 1935 م طيّر الدوتشي “موسوليني” الذي كان في ذروة مجده السياسي وغطرسته الرومانية برقية إلى الجنرال “دي بونو” في (إرتيريا)؛ يأمره بغزو بلاد الحبشة، وقام الأخير بغزو البلاد التي لم يجرؤ أحد طيلة 4000 سنة على الدخول فيها واستعمارها، تصوروا التاريخ!! لم يغزها طيلة 4000 سنة أي غازٍ أجنبي، استنجد الأحباش بعصبة الأمم وقتذاك بلا أية فائدة. وبدأوا في المقاومة، ولكن القوات الايطالية استخدموا –كعادة الغزاة في مكان– أبشع أنواع الأسلحة، وقتلوا كثيرا من القرويين والأطفال والنساء، وكان قائدهم “غرازياني”- ما غيره صاحبنا- عدو “عمر المختار” في (ليبيا)، قد تمكن من إخضاع العاصمة (أديس أبابا) وجميع أراضي (الحبشة) لسيطرة الايطاليين، واستخدم في ذلك الغازات السامة والأسلحة الممنوعة دوليا، بل ويذكر التاريخ أن المجرم “غرازياني” استباح العاصمة لمدة ثلاثة أيام بسبب بعض المقاومة التي ظهرت منها، وهذا القائد الدموي كان يطبّق رؤية وعقيدة رئيسه موسوليني الذي قال:” الدماء وحدها هي التي تحرّك عجلات التاريخ”.

وقد هرب إمبراطور الحبشة “هيلاسلاسي” وعائلته في العام 1936م إلى (القدس) أولا ومن ثم إلى (لندن)، وبهروبه ضعفت المقاومة الأثيوبية واستسلمت الحبشة لغزاتها الأوائل في التاريخ.

قام الايطاليون باستمالة مسلمي (الحبشة)، وسمحوا لهم ببناء المساجد والجوامع الكبيرة، بل كان هم من يبنيها لهم، في مدن (أديس أبابا) و(غوندر) و(جمّا) و(أسمرة) و(مصوّع)، وحتى أنهم أنشأوا مركزا إسلاميا كبيرا في مدينة (جمّا) عاصمة ولاية (كافا) لتدريس الفقه والشريعة، يعتبر الثاني بعد مركز (هرر). ونجح “موسوليني” في اجتذاب المسلمين لأنه رفع عنهم الرقّ والعبودية، وساواهم بالجنس (الأمهري) الذي فرض زعامته على بقية الشعوب الحبشية. المضحك أن “موسوليني” أطلق على نفسه لقب (حامي الإسلام)، ما جعلني وأنا أقرأ ذلك أتذكر سلفه الآخر “نابليون” وقصة إسلامه المضحكة في (مصر)، عندما أوهم رجال الأزهر وشعب (مصر) بأنه مسلم، وسمى نفسه ب”علي”. كان “موسوليني” بدوره يردّد على مسامع المسلمين في تلك الفترة العصيبة:  تود (إيطاليا) الفاشستية أن تؤكد للمسلمين عزمها على ضمان السلام والعدل والرخاء لهم. واحترام تعاليم الرسول. كما تعلن للملأ جهارا تعاطفها مع الإسلام والمسلمين في كافة أنحاء العالم.

وبالتأكيد لم ينطل ذلك على المسلمين، وخصوصا ويدُّ (إيطاليا) كانت ملوّثة بدم إخواننا في (ليبيا). غير أنهم في (الحبشة)، وبسبب ما لاقوه في تاريخهم؛ مالوا كثيرا ل(إيطاليا) وتعاونوا معهم. وهي بادلتهم الميل؛ انطلاقا من مصالحها بالتأكيد لا لأجل سواد عيون المسلمين.

بعيدا عن الطاغية موسوليني؛ انتبهت لسحن بعض أهل تلك المدينة، حيث مزيج غريب تماما في الوجوه، عبر تلك البشرة التي اكتست سمرة متفتحة، وعيون زرقاء، ولكن الشعر أفريقي أكرت (مجعّد). تنظر لهم؛ ثمة جمال لا تدري أين هو فيهم، لكنه بالتأكيد أجمل ما في تلك البلاد، وعندما استفسرت من مضيفنا “قايد مصلح”؛ ضحك طويلا، وتغامز مع مرافقي الشيخ سلطان أمان، وقال بأن من رأيتهم هم من نسل الايطاليين الذين تزاوجوا مع أهل هذه البلاد. ويضيف لي بأنه نشأ جيل في (الحبشة) –وأيضا في (الصومال) و(إرتيريا)- مطعّمٌ بدم جديد وسحنة جديدة، هذا الجيل الناشئ من التزاوج؛ نحاسي اللون، جميل الوجه، يطلقون عليه اسم ( café meat ) أي “قهوة بالحليب” دليل مزج اللون الأسود بالأبيض.

الحقيقة أنني استمتعت جدا بهذه الديار، وأنست كثيرا وأنا أتأمل في مياهها وخضرتها وبعض جمال أهلها، ورحت في جو صفاء نفسي ووئام، لكأني الجواهري العظيم، ذلك العراقي الذي كان يخاطب العراق في قصديته الشهيرة “يا دجلة الخير”:

أتضمنينَ مقيلاً لي سواسيةً

بينَ الحشائشِ أو بينَ الرياحينِ

خلواً من الهمّ إلا همّ خافقةٍ

بين الجوانحِ أعنيها وتعنيني

يا دجلةَ الخير يا أطيافَ ساحرةِ

يا خمرَ خابية في ظلِّ عرجونِ

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق