الرأيكتاب أنحاء

لحم حمير.. قراءة فى أرشيف الذكريات

بالأمس كنت أقلب فى أوراقى القديمة، فعثرت على عدد من الصحف اليومية التى كنت أحتفظ بها وقت ولعى بأرشفة الأحداث التى هزت الرأى العام، وكان لها حضور طاغ فى وعى الناس وقت حدوثها، لما تضمنته من غرابة، ومن إثارة، ومن تشويق، مثل حادثة الشاب الذى كان يعتنق فلسفة شرقية وقام بقتل والديه المتدينين، أو حادثتى الاغتصاب الشهيرتين اللتين وقعتا لفتاتى المعادى والعتبة، أو حادثة المرأة التى لم تكتف بقتل زوجها وإنما قامت بتقطيع جسدة إلى أجزاء منفصلة وزعتها فى أكياس بلاستيك، أو قصة القس المشلوح الذى كان يستدرج النساء ليقوم بممارسة الجنس معهن فى أحد الأديرة .

إلا إن القصة التى استوقفتنى فى هذه الأوراق، فهى قصة ذلك الرجل الذى كان يمتلك محلاً للكباب والكفتة فى ميدان الجيزة . وقد ذاعت شهرته حتى إن الناس كانت تأتى إليه من محافظات أخرى خارج القاهرة لتأكل عنده. وفى أحد الأيام اكتشف رجل طيب بطريق الصدفة أن اللحمة التى يقدمها هذا الرجل لحمة حمير، فأبلغ عنه وتم القبض عليه، وبدأت إجراءات محاكمته.

حتى هنا و القصة تقليدية و متكررة، ولا أعتقد أن أحداً لم يسمع فى حياته عن تاجر كان يبيع لحم الحمير أو الكلاب أو القطط، لكن الجديد أن الأحداث لم تقف عند هذا الحد، ولكن هذا الرجل لفرط طيبته لم يكتف بالابلاغ عن صاحب المحل، وإنما أراد أن يكمل جميله ويعوض الناس سنوات الخداع، فقرر أن يفتح محلاً للكباب والكفتة فى نفس الميدان، يقدم لحماً صالحاً للاستخدام الآدمى، ويناسب فى نفس الوقت الطبقات الفقيرة والمحدودة الدخل. أقدم على هذه الخطوة دون أى خبرة أو معرفة مسبقة بأعمال التجارة، فقط كان يمتلك المال ونبل الغاية.

 فى البداية بدأت الناس تتوافد على المحل بأعداد متزايدة، وبدأت شهرة المحل تتجاوز القاهرة لتصل إلى بعض المحافظات الأخرى، إلا إنه بمرور الوقت بدأ الناس يشعرون بعدم الارتياح وبأن ثمة شىء مفقود فيما يقدمه هذا المحل، هل مستوى الخدمة؟ هل نوعية اللحم؟ هل ثمة خلطة سحرية مفتقدة؟ لم يكن أحد يعرف. تزامن ذلك مع حملات قام بها أبناء الرجل صاحب المحل الأول،  وعمال المحل والتجار الذين كانوا يقومون بتوريد الحمير للمحل، لتشوية سمعة المحل الجديد، مرة باتهامه بعدم الخبرة وسوء الإدارة، ومرة بإطلاق الشائعات حول نوعية اللحم الذى يقدمه والادعاء بأنه لحم كلاب وحمير . أتت الحملة بنتائج سريعة، فساءت سمعة المحل، وقل الإقبال عليه، وفى نفس الوقت كان صاحب المحل الأول قد حصل على البراءة عن طريق الرشوة و العلاقات.

وفى يوم خروجه قرر أولاده ومعاونيه أن يعيدوا افتتاح المحل، ولكن بعد إغلاق المحل المنافس والقضاء على صاحبه. خرج الرجل وأولاده وعماله وجيرانه ومعاونية، حاملين العصى و السلاح، متجهين صوب المحل الآخر. وبالرغم من أن عددهم لم يكن كبيراً إلا إن المفاجأة كانت فى الحشود الكبيرة التى انضمت للموكب فى الطريق، حتى امتلأ الميدان عن آخره. وفى لحظة فارقة تم الانقضاض على المحل وتحطيمه وإشعال النار فيه، ثم سحل صاحبه على أرض الميدان وسط فرحة هيستيرية عارمة، وانطلاق حاشد للبالونات والصورايخ الملونة .

الذى استوقفنى فى هذه القصة عن باقى القصص الأخرى، هو أن الحشود التى خرجت تؤازر صاحب المحل الأول وأعوانه، لم تكن تدافع عن حق، ولا تملك وجهة نظر، فقط هم كانوا زبائن المحل، الذين قضوا عمرهم يأكلون فيه، ومن ثم اعتادت معداتهم على لحم الحمير !!

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق