الرأيكتاب أنحاء

“والناي .. على الشطّ غنى”

مسافرٌ زاده الخيالُ

والسحرُ والعطرُ والظلالُ

ظمآن والكأسُ في يديهِ

والحبُّ والفنُّ والجمالُ

آهٍ على سرّكِ الرهيبِ

وموجكِ التائهِ الغريبِ

 يا نيلُ يا ساحر الغيوب

لا ينسى أبداً الجيل القديم، جيل “السمّيعة”، كلمات هذا الأغنية التي ألّفها الشاعر محمود حسن إسماعيل، وشدا بها الموسيقار محمد عبد الوهاب، والتي اعتبرها النقاد من أروع الأغنيات الوصفية التي قدّمها عبد الوهاب كلاماً، ولحناً، وأداءً بما يتخطى حدود الجمال الإبداع بكثير، وأنها بعد تقديمها صارت معْلماً مرتبطاً بكل عشاق نهر النيل.

وعلى الرغم من اتهام عبد الوهاب بأن موسيقى “النهر الخالد” – وهذا اسم الأغنية – سرقها من إحدى افتتاحيات الموسيقار الروسي “تشايكوفسكي” صاحب “بحيرة البجع”؛ إلا أن الأغنية استكنّت في أعماق وجدان المصريين، لأنها ببساطة تحكي عن حياتهم وعشقهم الأبدي: النيل.

سأكمل ما بدأته في مقالتي الفارطة عن محاولات المصريين والعالم لاكتشاف منابع النيل، وما زلت مذهولاً من الحكايات العجيبة التي وردت في مقالات علمية وتقارير صحفية وكتب، تجعلك تستغرب كثيراً من التفسيرات العجيبة التي قدّمها أولئك المؤرخون، ففي سياق الهوس الذي سيطر على العرب لكشف منابع النيل، ذكر صدر الدين أحمد المعروف بابن معصوم (1642 – 1707) في كتابه (رحلة ابن معصوم المدني: سلوة الغريب وأسوة الأريب) أن “جماعة صعدوا جبل القمر ليحيطوا خبراً بمبدأ النيل، فرأوا بحراً عجاجاً، يُسمع لمائه صوتٌ، أسودَ كالليل، يشقّه نهرٌ أبيضٌ كالنهار هو النيل”.

كتب د. قاسم عبده قاسم في كتابه (النيل والمجتمع المصري في العصر المملوكي): “لذا تصوّرتْ الأساطير والخرافات التي أوردها كُتّاب ومؤرخو العصور الإسلامية بأن منطقة منابع النيل أرضاً خيالية، تنبتُ فيها قضبان الذهب والفضة والنحاس والحديد، ويجري فيها بحرٌ من الزفت، تنبع منه الروائح الكريهة التي تقضي على مَن يقترب من المنطقة التي توجد بها أحجارٌ مغناطيسيةٌ تجتذب كل مَن ينظر إليها وتقضي عليه”. ويعكس ذلك التصوّر جهلَ كتاب تلك العصور بمنطقة المنابع من ناحية، والخوف من المجهول في تلك المنطقة من ناحية أخرى.

وتناقلت المصادر العربية أسطورة أخرى تخلط بين المعلومات الجغرافية والخرافات، ففي كتابه (نهاية الأرب في فنون الأدب) نقل شهاب الدين أحمد بن عبد الله النويري (1279 – 1333) عن أبي عبد الله محمد الإدريسي الجغرافي الشهير (1099 – 1165) أن البحيرة الكبيرة التي يخرج منها النيل اسمها “كوري”، يسكن حولها متوحشون؛ يأكلون مَن يقعون عليه من الناس، فإذا خرج منها النيل، يشق بلاد “كوري” ثم بلاد “نمنم”، وهي بلاد تسكنها طائفة من السودان -أصحاب البشرة السوداء- بين “كانم” و”النوبة”.

أما حكاية “النمنم” فبمجرد قراءتي لها، تذكرت طفولتي، وما كان يخوّفنا به آباؤنا وأمهاتنا، في أزقتنا الشعبية الهادئة بمدينتي العروس الطائف، وفي أمسيات الصيف الطويلة؛ أننا إن لم ننم مبكرين، فإن “النمنم” سيدهمنا ويخطفنا، فلا تسل عن هلع البنات بالخصوص، وتكوّم أجسادنا الصغيرة في ملاءات النوم، وإغماضنا أعيننا، ونحن نتصوّر ذلك “النمنم” المرعب، الذي اكتشفت الآن أنهم حقيقيون!!

لماذا كان الهوس الكبير بمعرفة منابع النيل لدى المصريين؟ الحقيقة أن السبب لم يكن مجرد فضول علمي فحسب؛ بل كان سياسياً في صميمه، فقد روي إبراهيم باشا فوزي في كتابه (السودان بين يدي عوزدون وكيتشنر) أن إحدى الدول – يعتقد أنها بريطانيا – كانت تسعى لدى محمد علي باشا ألا يبادر باحتلال منابع النيل أو السعي للوصول إليها، فقام محمد علي من فوره باستدعاء مجموعة من المهندسين الأوروبيين الذين جاء بهم إلى مصر، فقالوا بالإجماع إن وقوع منابع النيل تحت براثن أي دولة أخرى هو أمر بالغ السوء، حيث تصير حياة مصر في يده، الحقيقة أن في صميم المصريين – على مدى التأريخ – أن حياتهم هي (النيل)، ربما أبيات الشاعر أحمد زكي أبو شادي تلخص هذه الفكرة:

يجري بماءِ حياتِنا وحياتِهِ

فكأنما صِرنا سَريّ نباتِهِ

يجري بغالي الرزق جَري موفقٍ

للبرِّ لا يمتنُّ من حسناتِهِ

حتى الهواءُ، فلطفهُ من جُودِهِ

حتى النسيمُ، فطبعُهُ من ذاتِهِ

من هذا الاعتقاد بأن (النيل) هو حياة المصريين؛ وجّه محمد علي باشا ومن بعده الخديوي إسماعيل اهتماماً كبيراً إلى كشف منابع النيل، بل إن محمد علي سافر بنفسه إلى السودان، وأشرف على تجهيز الحملات التي عهد بمهمتها للبكباشي المصري “سليم بك قبطان” أحد ضباط البحرية المصرية، وجعل تحت تصرفه قوة من الجنود، وعمارة نيلية من المراكب.

أبحرتُ في قصص هذه الحملات، وعشتُ تفاصيلها بكثير من المتعة، ولكنني سأختصر لكم ما حصل فيها، فالحملة الأولى تحركت من الخرطوم يوم 16 نوفمبر سنة 1839 م، وتألفت من 400 جندي، من أقوى وأشجع الجنود الذين تمّ اختيارهم بدقة كبيرة، عبر عشرة مراكب مسلحة و15 قارباً، وبها مؤن تكفي لمدة ثمانية أشهر، مخرت جميعها النهر جنوباً، حتى وصلت لمنطقة جنوب الخرطوم، حيث لم يستطيعوا التقدّم فيها، فعادوا، بعد أن دامت رحلتهم 135 يوماً.

 وضع سليم قبطان رسالة، ضمّنها تفاصيل هذه الحملة، وألحق بها جدولا بالأرصاد الجوية التي قيّدها، فكانت هذه الرسالة أوّل مرجع رجع إليه العلماء في اكتشاف باطن إفريقيا، وتلقاها علماء الجغرافيا في أوروبا بكثير من التقدير والإعجاب.

لم ييأس محمد علي باشا، وأعاد تنظيم حملة ثانية تحرّكت من الخرطوم يوم 23 نوفمبر سنة 1840م، بقيادة نفس القائد سليم قبطان، ولكن صحبه هذه المرة “سليمان كاشف” قائد القوة البرية، وبضعة أوروبيين. هذه الحملة مضت لمسافة أبعد من الحملة الأولى في نهر النيل الأبيض، وابتعدت عن الخرطوم نحو 1080 ميلاً جنوباً، ولم يبق بين الحملة وبلوغ منابع النيل إلا مرحلة وجيزة بالنسبة لما قطعته من المراحل، ولكنها لم تستطع متابعة سيرها لهبوط مياه النيل جنوبي هذه الجهة، ولوجود الجنادل والشلالات التي تحول دون تقدم السفن في ذلك الجزء من النيل، فاضطرت للعودة إلى الخرطوم، وبلغتها في 18 أبريل سنة 1841.

الحملة الثالثة لم تحقق نجاحاً يذكر، فقد تحركت من الخرطوم يوم 27 سبتمبر سنة 1841 بقيادة سليم قبطان ذاته، وكان سيرها بطيئاً لمعاكسة الريح، وأصيب بعض البحارة والجنود بالأمراض، ومات بعضهم في الطريق، على أنها تابعت سيرها، ولكنها لم تتجاوز النقطة التي بلغتها الحملة السابقة وعادت الى الخرطوم يوم 6 مارس سنة 1842.

ولكن من الذي اكتشف منابع نهر (النيل)؟

هناك جدلٌ عريض حول من هو المكتشف الأول لمنابع (النيل)، ربما أكثر الأقوال العلمية التي قرأتها حول من اكتشف منبع نهر (النيل)، كانت من نصيب المستكشف البريطاني “جون هانينغ سبيك” (1827-1864)، فهو أول من زار بحيرة (فيكتوريا) من الأوروبيين، وأول من عرّفها على أنها منبع (النيل)، وقصة الرجل طويلة، لكنه كتب في يومياته بتاريخ الثالث من أغسطس عام 1858م رؤيته الأولى للبحيرة، التي لم يستطع أن يستوعب حجمها الهائل بشكل كامل، فكتب: “لا يراودني من الآن أي شك أن البحيرة التي تحت قدميّ؛ هي نبع الحياة للنهر المثير (النيل)، الذي كان منبعه موضوعاً للتخمين وهدفاً للعديد من المستكشفين” .

 كان اسم هذه البحيرة “نيانزا”، بيد أن “سبيك” أطلق اسم “فكتوريا” على البحيرة نسبة لملكة بريطانيا وقتها، ولصق الاسم بها، وقتها كانت بريطانيا الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، وانظروا الآن لسنن الله في الكون، كيف اختزلت لجزيرة صغيرة، تكاد تنفصل إسكتلندا وأخواتها عنها.

أحبتنا في مصر، عشقهم الأبدي هذا النيل الخالد، لذلك تجده في أغانيهم الشعبية، وموروثاتهم، ورواياتهم، وإن بدأنا بعبدالوهاب، سأنهي مقالتي الطويلة هاته بكوكب الشرق التي لم يخلفها أبداً أحدٌ لوقتنا الحاضر، السيدة أم كلثوم ترنمت بكلمات شعبية لبيرم التونسي، يرددها أصحاب المراكب الشعبية دوماً:

شمس الأصيل دهّبت

خوص النخيل يا نيل

تحفة ومتصوّرة

في صفحتك يا جميل

والناي على الشطّ غنى

والقدود بتميل

على هبوب الهوا

لما يمرّ عليل

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق