الرأيكتاب أنحاء

‏الصحوة وما آلت إليه.. الواقع والمأمول

وبعدما خاض العالم والجاهل والصادق والكاذب عن ماهية الصحوة وماذا يعني بها الكتاب والمتحدثين عندما يتناولون هذا المصطلح الحاضر الغائب السهل الممتنع الصعب على فهم معناه وتحليل فحواه، وكان ذلك الغموض واضح جلي في تعليقات قلة على مقالة سابقة لي بعنوان “أتباع دعاة الصحوة في غفوة، أين أنتم؟ السلفيون هنا” عندما نشرها حساب خبر عاجل مشكورين على حسابهم في تويتر.

هذه مقالتي اليوم وبدايةً لا أنسى الاعتذار عن إيقاظي لنوم وسبات أتباع التنظيم الفكري الحزبي المدثور وإيلام عباراتي لمشاعرهم المختطفة والتي لا تعنيهم فهم في وضع لا يحسدون عليه ويشفق عليهم القاصي والداني، بل أوجهها للبسطاء المتدينين صدقا المعتقدين إيمانا الظانين خطأ بأن الدين يحمل لوائه وينشر مبادئه ويدفع عن قيمه ثلة من الدعاة محفوظين منزهين مقدسين إن تحدثوا فالإسلام في عز وخير وإن صمتوا فالدين في خطر وضير، وإن تجرأ أحد وانتقد فكرهم صنفوه كافر ملحد وعربيد.

وبعد هذه التوطئة استعن بالله ولا أعجز إن شاء الله في طرح مباشر وشفاف لتبسيط مفهوم الصحوة لمن لا يدركه، فقد بدأت الصحوة بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله بنشر التوحيد الخالص والتحذير من الشرك بسائر أنواعه، في فترة غلب على الناس الجهل بالدين في ظل حياة الفقر التي كانوا يعيشونها، وكانت دعوته وفق كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وضمن مذاهب الأئمة الأربعة، صدّقه الناس ودعمته حكومة المملكة فهو لم يأتي بشيء جديد في الدين، وما جاء به هو دين الوسطية والاعتدال التي أمر به الله، والسعوديون ومن يعيشون على أرض السعودية هم أناس في الأصل معتدلين بسبب المنهج المعتدل الذي تسير عليه المملكة منذ تأسيسها.

ظلت دعوة عبدالوهاب على ذلك المنهج حتى دخل أتباع جماعة الإخوان المسلمين المصرية إلى المملكة، فنشروا فكر التحزب وإقصاء الآخر والإرهاب والعنصرية والتبعية، خنقوا المجتمع بقيودهم وعوّقوا مسيرته وجهلوه، يتشددوا في الدين تارةً ويتراخوا تارةً أخرى يحرموا أمراً ثم يعودوا ويحللوه لكسب مزيد من التابعين حتى إذا حانت الساعة التي يحددها مرشدهم استخدموهم في ضرب أوطانهم والخروج على ولاة أمرهم والتمكن من الحكم الهدف الأول الذي أنشئت من أجله الجماعة.

وفي فترة معينة أدرك قادة الجماعة البون الشاسع بين منهجهم وبين المنهج السلفي الذي عليه سكان المملكة بعد دعوة محمد بن عبد الوهاب ومنعاً للتصادم كان لابد من إحداث التزاوج والدمج بين الدعوة السلفية والمنهج الإخواني حتى يتماهى فكرهم مع الفكر السائد، وكان نشاطهم ينطلق تحت ستار الجمعيات الخيرية، فبدأوا بتسويق منهجهم وصنعوا أدعياء صحوة لنشر منهجهم وتسويقه ونجحوا واستمروا في ذلك لأربعة عقود، والنتيجة كانت مؤلمة على النحو التالي:

– بروز جماعات وتيارات حزبية متفرقة هجروا العلم الشرعي والدعوة إلى الله من أجل الوصول إلى السلطة السياسية وأخرى تدعم السلطة القائمة، تفرغتا لهجاء بعضها البعض وتقاذف الشبهات فيما بينها البين أكثر من مقارعة التيارات اليسارية حتى أضحينا نلمس نجاح مشاريع التغريب وتفكيك لحمة المجتمع وسقوط كثير من قيمنا الإسلامية وعاداتنا القبلية ونسمع بملحدين في بلاد الحرمين الشريفين.

– صناعة دعاة ومشايخ فئة خمسة نجوم تم صنعهم وإبرازهم إعلامياً بحرفية من قبل التنظيم، متلونين متقلبين مهادنين متذبذبين متوهمين إنهم الحاكمين بأمر الله أغرتهم الشهرة والمال والنجومية للإنحراف عن أصول وقواعد دعوة صحاح الصحوة.

– جيل جديد ربي منذُ نعومة أفكاره في جماعات النشاط المدرسية على الانسياق والتبعية العمياء وإلغاء العقل وتقبيل الرؤوس.

– تصنيف الآخر إلى مسميات مقيتة ما أنزل الله بها من سلطان (إخواني، سروري، جامي، ليبرالي، علماني) وهذه أشهرها وأدمجوا منها ما يحلو لكم، فيكون الحكم على قولك وفعلك وقبولك من عدمه بعد تصنيفك أولاً لا محال وهنا مربط الفرس.

يقول تعالى: ” إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون”.

الصحوة الحقيقية يا صحاح العقول كما عرفناها في بداياتها عندما كان أقصى تصنيفها “مطوع”، وقبل أن تختطف من جماعة السرورية، تحتضر اليوم ولم يعد من دعاتها الربانيين الصادقين إلا قلة قليلة ضعيفة مغمورة بلا إعلام أو دعم مالي أو معنوي، ونحن اليوم في أشد الحاجة لصحوة جادة جديدة، صحوة على منهج أهل السنة والجماعة غير قابلة للتقسيم والتشرذم والتجاذب والتنافر تجمع جميع المسلمين وبالخصوص أبناء بلاد الحرمين الشريفين تحت راية واحدة وكلمة سواء واحدة في وجه الأعداء المتربصين المحيطين بنا من مشارق الأرض ومغاربها ومن جنوبها وشمالها، وليكن ذلك الآن قبل فوات الأوان ولنبدأ بأنفسنا، فعلى كل مواطن غيور على دينه محب لوطنه أن يتعهد مع نفسه بأن يجعل فكره فكر مسلم حر مستقل لا يتبع لأحد ولا يخضع لجماعة أو تيار أو حزب.

قال تعالى:”واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا”.

والله من وراء القصد.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق