الرأيمقالات الصحف

عندما يختلط «الحابل» بـ«النابل».. إعلامنا إلى أين؟

اقتربت منى وقد ارتسمت على وجهها علامات حيرة وتردد، سألتني بنبرة خجولة: سمعت إنك «إعلامية»، أجبتها: صحيح أنا «صحافية»، فعادت تسألني: هل يمكن إن تقومي بتغطية إعلامية لحدث نعمل على تنظيمه حاليًا؟، ثم اقتربت أكثر وهي تهمس: كم تأخذين ثمنًا لمثل هذه التغطيات؟، أجبتها: قلت أنا صحافية وليست معلنة، ولكنها لم تفهم إجابتي لترد قائلة: جميعهم يأخذون المال مقابل الحضور والتغطية.

قلت لها: يا عزيزتي لابد أن تفرقي بين الصحافي أو الإعلامي والمعلن، نحن معشر الصحافيين ملتزمون بميثاق شرف لمهنة الصحافة، والصحافي الحقيقي لن يأخذ منك المال ولا من غيرك لينجز عمله، وتأكدي أن أهمية ما تقومون به سيفرض نفسه على وسائل الإعلام بشتى أنواعها.

حديثي العابر مع السيدة جعلني في حيرة من أمري، وتساءلت: كيف وصلت لتلك القناعة وغيرها كثيرون؟ فمن الصعب أن يفهم غير العاملين في الإعلام طبيعة عملنا، خصوصًا اليوم في ظل التغيرات في صناعته، وسيطرة الإعلام الحديث أو ما يطلق عليه بـ«مواقع التواصل الاجتماعي» والتي اختلط فيها الحابل بالنابل.

والأصعب من ذلك أن يفهم المتلقي اليوم ما يجري من تغيرات في عالم صناعة الإعلام والمحتوى الحقيقي ذو المصداقية، تلك المتغيرات السريعة ساهمت بشكل كبير في اختفاء بعض المنابر الإعلامية، وأسهمت كذلك في إضعاف البعض الآخر، والمشكلة إذا أردنا بلورتها في إطار محدد، لا تكمن في تحولات أدوات صناعة الإعلام الهادف، فالصحافي الجيد يستطيع أن يجد جمهوره سواء في وسائل إعلامنا التقليدية، أو في وسائل الإعلام الجديد، ولنكون أكثر مصداقية دعونا نتساءل: أين غالبية الصحافيين والإعلاميين اليوم؟، وهنا أتساءل: عن زملائي الذين قرروا ترك المهنة بسبب ضعف الموارد المالية وتأخر صرف الرواتب أو إيقاف مؤسساتهم ومنابرهم الإعلامية، وانتقلوا إلى قطاعات أخرى ليتمتعوا بالأمان الوظيفي الذي يكاد أن ينعدم في غالبية مؤسستنا الإعلامية، فلم أسمع من مسؤولي مؤسساتنا الإعلامية أن تحدث أحد عن هموم العاملين معه، بل إن أولى القرارات التي عمد الكثير منهم على اتخاذها لمواجهة قلة الموارد المالية هو الاستغناء عن عدد كبير من العاملين معهم، مع أن الجميع يتفق على أن الصحافي أو الإعلامي هو صانع المحتوى الأول ويعتبر الأساس الذي بدونه لن يكون هناك محتوى منافس للغير.

وأخيرًا، يمكن القول إن ما يمر به إعلامنا واختلاط المفاهيم لدى غالبية الناس عن الدور الحقيقي للإعلامي والفرق بينه وبين المعلن، يتطلب منا إعادة النظر فيمن يمارس المهنة، بل ويتطلب منا وضع أنظمة وقوانين تحمي الحقوق وتحد من ممارسة هذه المهنة من قبل المتطفلين والمعلنين، وبدون ذلك لن يفرق العامة من الناس بين الصحافي الحقيقي والمعلن ولن يكون العمل الإعلامي ذا مهنية ومصداقية في وسائل الإعلام الجديد أو ما يطلق عليه بالإعلام الرقمي.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق