أرشيف الأخبارالرأيكتاب أنحاء

استراتيجية النجاح في مفهوم الشراكة

في بداية حياتي العملية وتحديدا في العام 2001 م ، سنحت لي الفرصة اثناء عملي في قطاع الاستشارات الهندسية لزيارة ملتقى الجمعية الامريكية للاصلاحيات ( ACA )  والذي اقيم في مدينة فيلادلفيا في ذلك الوقت ، وكان من ضمن برنامج الملتقى تنظيم زيارة لاحد الاصلاحيات للاطلاع على احدث الطرق في تشغيلها وما يرتبط بذلك من تصميم وانظمة امنية ومواد بناء … الخ ، ما لفت نظري في تلك الزيارة أن الاصلاحية كانت تدار بالكامل من قبل شركة أمنية متعاقدة مع الحكومة الامريكية ، الامر الذي رسم لدي علامة استفهام بسبب تعارض ذلك مع الصورة النمطية التي اعرفها والخاصة بالقطاع العسكري لدينا حيث تعتبر السجون والاصلاحيات تحت ادارة وزارة الداخلية بكل ما فيها من هيبة تتناسب مع هذه المنشأة والغرض منها .

بقي هذا الاستفهام ساكنا في زاوية قصية حتى كاد ان يمحى مع كثرة الاعمال ، الى أن كتب الله لي شرف خدمة مدينة الرسول عليه افضل الصلاة والسلام من خلال مشاركتي فريق العمل المكلف بطرح تطوير وتشغيل مطار الامير محمد بن عبد العزيز الدولي عن طريق الشراكة مع القطاع الخاص ، وهنا كانت الاجابة تأتي تباعا عن تفاصيل هذه الشراكة ومقوماتها وطرقها ومميزاتها وعيوبها ومخاطرها ، ولا شك ان المعرفة التي تأتي من الميدان تكون اكثر مصداقية وواقعية من النظريات ، فالنظرية تعطيك المؤشرات الرئيسية ، وتبقى التفاصيل المتعددة والتي يمر بها اي مشروع حصرا على الواقع العملي وعاملا متغيرا من مشروع الى اخر ومن بيئة الى اخرى ، تحدده اهداف معينة تختلف باختلاف المرئيات التي بني عليها المشروع .

ان مفهوم الشراكة بين القطاع العام والخاص واسح جدا ، يمكنه احتواء قطاع عريض من مشاريع الخدمات والبنية التحتية وبروابط تعاقدية متعددة ، وهو مفهوم نمى وكبر من تجارب طويلة وسابقة ، يكفي ان نعلم ان اول التجارب في هذا المجال كانت في القرن التاسع عشر ، وازدهر بعد الحرب العالمية لاعادة اعمار ما دمر جراء الحرب ، وغالبا ما يتأثر بالوضع الاقتصادي العام فتراه ينكمش مع الركود كما حدث في العام 2008 وينتعش مع دوران العجلة الاقتصادية من جديد ، فالمقوم الاساسي لهذه الشراكة هو رأس مال القطاع الخاص والذي لاشك يكون شديد الحرص في استثماراته خاصة في ظل وضع اقتصادي غير ثابت .

اعطت رؤية المملكة العربية السعودية 2030 اهمية كبيرة لهذا المجال ، ودعمت كافة القطاعات الحكومية للانطلاق نحو تكوين شراكات مع القطاع الخاص بهدف تحسين مستوى الخدمة المقدمة كأولوية ، ومن بعدها يأتي تخفيف او تقنين الاعباء المالية المتعلقة بالتنفيذ والتشغيل اضافة الى قدرة القطاع الخاص على الحركة السريعة تجاه اي متطلب بعيدا عن بيروقراطية الاجراءات الحكومية ، واخيرا قد تشكل هذه المشاريع موردا ماليا للقطاع الحكومي يساعد على تخفيف المخصصات المالية للقطاع من الدولة .

الاهداف سابقة الذكر ليست حصرية ، انما تشكل اهم العوامل التي يسعى القطاع العام لإستيفاءها من خلال الشراكة مع القطاع الخاص ، ويجب ان تكون بأولوية الترتيب المذكور ، فالهدف الرئيسي الذي تسعى قيادتنا الرشيدة حفظها الله من تحقيقه هو تحسين مستوى الخدمة المقدمة وتوفير بيئة جاذبة لرأس المال للاستثمار في قطاع الخدمات والبنية التحتية ، وعملية التوازن بين اهداف القطاع العام المذكورة واهداف القطاع الخاص المتمثلة في الاستثمار وتحقيق الربح المادي هي مربط الفرس لنجاح او فشل هذه الشراكة ، فمما لمسته من خلال اتساع دائرة مشاريع الشراكة في كافة القطاعات العامة وجود خلط لدى بعض قيادات هذه القطاعات بين مفهوم الشراكة والاستثمار والخصخصة ، والحديث عن كل مفهوم يحتاج الى تفصيل قد لا يتسع المجال لعرضه في هذا المقال ، انما يمكن اختصار ذلك بأن الشراكة تعتمد على القطاع الخاص في تطوير وتشغيل الخدمات الرئيسية للقطاع العام من خلال عقود طويلة الأجل تتحقق فيها اهداف كل قطاع على حده ، بينما الاستثمار يكون في استغلال موارد متنوعة للقطاع العام توفر مردود مادي دون النظر الى نوعية الاستثمارالذي قد يكون بعيدا عن مجال الخدمات الذي يقدمه القطاع العام ، اما الخصخصة فهي توجه مختلف تماما يعتمد على تحويل كامل لقطاع عام الى قطاع خاص .

ان اهم عوامل نجاح الشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص تكمن في عملية التوازن كما ذكر سابقا بين اولويات مختلفة ، وتحديد مستوى خدمة تلتزم الشركات بتقديمها وذلك يلزم بالضرورة ان تمثل القطاعات الحكومية دور المشرع والمراقب من خلال انظمة محكومة وعقود تفصيلية تحدد النطاقات الفنية والمالية بوضوح تجنبا لأي تجاوزات او اختلال يأتي من اختلاف الاولويات كما ذكرنا.

معماري/ عاصم مصطفى حلمي

المدينة المنورة

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق