الرأيكتاب أنحاء

وردة حياة تخرج من قلب حياة

سؤال، وطلب وردني من صديقي الإنسان الكاتب المبدع عاطفة (أبو البنات)، علي المطوع بأن أبوح بمصداقية وأن أصور حالتي بعد زواج ابني ليلة البارحة.

 

وحقيقة أن تجربتي لم تكن الأولى، فقد سبق وأن تزوجت ابنتي ضحى، ولي منها سبطتين أراهما جنة الدنيا بكل جمالياتها وفرحتها وتكاملها.

 

وأعود لهذا الصباح الغريب، وأنا أنظر لغرفة ابني منذر وهي مفتوحة الباب، حزينة، منتثرة الأغراض، تكاد أن تحتضن عيني وتشتكي على كتفي، بأنه لم ينم فيها البارحة.

طبقات حياة، تأتي بعضها فوق بعض، فلا وقت للدمعة، والفكر يحاول أن يعيد ترتيب تلك الطبقات، فأتذكر كيف كنت طفلا في منزل بيتي الكبير، وكيف كنت متحفزا، لكل خطوة أخطوها، شقاوة، وبتسارع، وتحفيز، وكيف كنت أعبر بعض الطبقات، دون أن أخذ وقتي كاملا، لاستيعاب دقائق المرحلة، والتمتع بما فيها من جماليات، ومحاولة معرفة كل جزئية منها، وعدم الاعتلاء لطبقة أعلى والسابقة لم تتكامل واقعية تجربتها.

أعود فأنظر لباب الغرفة المحتج على ما يحدث، فهل سيعود يوما، وينام في جوف الغرفة، أم أنه قد استبدل الدار، بدار أجمل منها، وطوى طبقتها، وهو يستوعب تفاصيل المرحلة؟

هل الجدران والأبواب تحزن، وتفارق، أم أنها تخيلاتنا نحن، بأننا أبواب وعما قريب نصبح جدرانا، يأتي إليها المحبين القدامى، ويلطمونها، حبا لمن سكنها.

عندما يجتمع الحزن مع الفرح، تصبح المشاعر هجين يا صديقي علي، فلا نعود مهما بلغت حروفنا من الخبرة، والقدرة على البوح تتمكن من تصوير الحالة، فجانب منها يحزننا، وجانب أخر يدعونا لنفرح، بأن رحل ساكن الدار، وكتب على شغاف القلوب بأنه لا يرحل، ولكنه يعرف أن الغرسة تكبر، ولا بد لها من معانقة الريح، وأن تعرف كيف يستقر الجذع، وتتجدد الأوراق، وأن البراعم لها أوان، وأن الزهور القادمة، حياة جديدة، تحيي الحقول، القديمة، وتبعث الأمنيات الجديدة.

عندما يرحل الابن أو الابنة، وتبكي عليه الدار، فإنه يذهب لإحياء جدران أخرى، ويهب طوبها وأخشابها، وزجاجها الحياة، بأن وجد من يبني معه بيتا أكبر، وأكثر قدرة على البقاء والصمود، وغصن يظل متصلا بالجذع، وهو يصنع طبقة جديدة من الحياة، وكم من ذلك البيت سترتوي قلوبنا بمواسم ربيع وتفتح زهور، وطيب فواكه العمر.

قليل من الدمع يعلي قيمة من رحل، وقليل من الشوق والأمل، يناديه بأن لا يغيب كثيرا، والمزج بين حياتين، مرحلة من التجلي، يجب أن نعيشها بكل دقائقها، وأن نشعر بالفرق، ونستوعبه، ونعلم أنه جزء من الحياة، حتى وإن خلس الجلد القديم، ونما مكانه جلد نعومة طفولة بريئة، تحتاج منا أن نحمد الله على أن عبرنا تلك الطبقات، لنبلغ هذه الزاوية من استشراف القادم.

يا صديقي علي، كم نربي الفراخ، وكم نسعد بأن الريشة الزغب تظهر، وتعتز، ونحن ندرك في يقيننا أنها ستحمل الطير يوما، لغصن جديد، فلماذا نأتي يوما ونفجع بالرحيل، وقد كنا نرقب خطواته، ونفرح بقفزاته، مدركين أن الرحيل سيأتي، ولكنا فجأة نظل ننظر للأبواب الباكية، والجدران الباردة، ونعود لأنفسنا نحسب تأثير الفرق، والمكانة.

غدا سيعود، ومعه حفيد، وسنعود بشعرنا الأبيض، ندلل، ونحكي عمن يكون أعز من الولد، وسيكون لنا حياة، وطبقات من التجدد، لا يحظى بها إلا من وهبه الله العمر والحظ والقلب الذي يعرف كيف يسعد بكل حضن وصل، وكل حب نضج يتدفق، ويملأ الدار، فلا تعود تسأل عمن غادرها في زمن، بل إنها تزداد سعادة، وترقص أبوابها، بأنه لم ينساها، وأنه وحتى إن بعدت خطواته يظل مرتبطا معها بعلاقة عشق ووجد، مهما اختلفت روعة اللقاء والقبلة، وعدد مرات الاحتضان.

أقول قولي هذا، وأنا أدرك أن هذه الطبقة غريبة على نفسي، وأني سأظل أنظر للباب الحزين، وأكاد أن أكذبه، وأعود لتفتيش محتوى الغرفة، فربما يكون منذر مختبئا كعادته فيها، وأنه سيخرج بكل عنفوان محبته، ويسألني: ماذا سأفعل اليوم، وهل أحتاج منه شيئا، قبل أن يذهب إلى عمله؟

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق