الرأيكتاب أنحاء

لا تكن كالغراب الذي أضاع مشيته!

مع أن الغراب امتدحه الله في كتابه الحكيم حين أرشد قابيل ليواري جريمته التي اقترفها في حق أخيه هابيل إلا أن العرب ربطت الغراب بالشؤم مع أنّ علماء الحيوان أثبتوا أن الغراب وفيٌّ لمجموعته من خلال تتبعهم لنظام حياته ، وهذا ما سيجعل القصة التي انتشرت بين الناس انتشار النار في الهشيم والتي ستكون مدخلًا لهذا المقال غريبة على مجموعة الغربان ، ومألوفة لنا نحن ( العربان ) وبالمناسبة فهذه الكلمة جمع عربي فصيح لكلمة ( عرب ) ، تقول القصة : أن غرابًا رأى حمامة وفي رواية طاووسا وفي رواية طائرا آخر كَبُر في عين الغراب وأعجب به فراح يقلده في مشيته ويحاول السير على إثره ، ومرّت الأيام والغراب لا همّ له إلا أن يصل لتلك المشية الفريدة وبعد أن عجز عن تقليد ذلك الطائر وعاد لرشده حين رأى تشوهًا في حركته التي كان يفخر بها عندما كان غرابًا وأراد الرجوع ليمارس مشيته التي جبل عليها وليكون غرابًا عاديًا فلم يقوَ على ذلك وخانته رجلاه فلقد نسي طريقة مشيته ، ولم يحسن التقليد فأصبح يتهادى بين المشيتين ولا يحسنهما ، وصار مصدر فكاهة وتندر للطيور حتى مات كمدًا !

هذه القصة تعبر تعبيرًا دقيقًا عن واقع نعيشه ونراه في ونسمعه ونلمسه في بعض شبابنا وبناتنا ورجالنا ونسائنا ومفكرينا ومثقفينا وجهالنا الذين انبهروا بثقافة الآخر المسيطر فراحوا يقلدونه دون وعي ولا إدراك ، وإن اختلفت النهايات عن القصة إلا أن المصيبة واحدة وهي ضياع الهوية الإسلامية والعربية والوطنية ، فنحن نملك دينا عظيما وإرثا عربيا حافلا بالبطولات ، وتاريخًا مجيدًا ، وعادات وتقاليد تعجز الكتب عن أن تحيط بها ، وإنجازات أذهلت السابقين واللاحقين ، بل قد عدّها بعضهم ذات يوم فعلا من أفعال الجنّ حين هالته تلك التقنية العالية ولكننا لم نسمع أن الغرب يومها لبسوا العمامة والثياب وتخلوا عن عاداتهم وتقاليدهم التي ورثوها عن آبائهم وأجدادهم بل مازالوا متمسكين بها حتى يومنا هذا وهاهم يورثونها لمن ارتضى السير على نهجهم !

إن ما نراه اليوم من تتبع للغرب وعاداتهم وتقاليدهم ونبذ لعاداتنا وتقاليدنا لهو مصداق لحديث المصطفى – صلى الله عليه وسلم – وهو الصادق المصدق الذي رواه أبو سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى قَالَ فَمَنْ” ، وهذا الأمر الذي ابتلي به المسلمون والعرب قاطبة هو نتاج انبهار بحضارة ومدنية سلبت لب الناس كما سلبت مشية الطاووس الغراب فراحوا يقلدونها بدون وعي ولا إدراك ، وإن كان الغراب قد عاد لرشده وتاب عن خطأه إلا أنّ شبابنا وبناتنا لم يعودوا بل راحوا يفتّون من عزم المتمسكين بالدين والتقاليد والعادات برمي التهم تارة والكذب عليهم تارة ونشر الطرف والنكت عنهم تارة حتى يأنفهم الناس ويبتعدوا عنهم ، أو يتركوا ماهم عليه ويلحقوا بركب التخلف والتقليد الأعمى .

إن المصيبة ليست فيما يفعله هؤلاء بل فيما يملكونه من قدرة على التأثير بفعل الإعلام المؤدلج أو الفاقد لبوصلته ، أو الهادف إلى تمييع عادات الشعوب لجعلها بدون هوية فيستطيع أن يسيطر عليها ويحركها كيفما شاء ، وتلك داهية لم يفطن لها اللاهثون خلف سراب التقدم المزعوم بالتقليد وكأن اللباس والأغاني والأكل والشراب والتخلي عن الدين والعادات والتقاليد هي من ستعلي من شأنهم وستغذي عقولهم وستصنع لهم فكرا وثقافة وعلما .

إن المقلدين الذين أضاعوا هويتهم قد أخطأوا المسير ولو عادوا لكان هذا الأمر عاديا فالإنسان يخطيء ويصيب ولكن مكابرتهم على خطئهم ومحاولاتهم المستميتة لنشر هذا الخطأ هو ما يدفعنا لمقاومتهم ، لعلنا نفرح بعودتهم لجادة الصواب ، أو لعلهم أن يغيروا مسارهم ويسلكوا طرق التقليد التي تساهم في خلق جيل يقارع الأمم المتقدمة ويمسك بزمام القيادة والريادة متمسكا بدينه وتقاليده وعاداته وقيمه وأخلاقه والأمم لا تنهض بدون ماضيها فمن تخلى عن جذوره مات ولم يبق منه سوى قصة تتناقلها الأفواه كقصة الغراب الذي أضاع مشيته !

همسة الختام :

التقليد كغيره فيه الجانب المضيئ وفيه الجانب المظلم ، والحصيف الأريب من عرف كيف يجعل من التقليد قوة تدفعه للوصول إلى ما يريده دون أن يفقد هويته أو يصبح أضحوكة في يد الآخرين .

الوسوم

مقالات ذات صلة

‫4 تعليقات

  1. ياسلام عليك مقال جداً رائع وفي الصميم أحسنت الوصف وأبدعت في المثال بالفعل نشاهد إنحدار خطير في التخلي عن الهوية الوطنية وعادات وتقاليد أمتنا العربية والإسلامية
    وفطرتنا السليمة التي فطرنا الله عليها وهذا والله تحول خطير ينذر بمستقبل متسارع نحو الإنحدار والمسخ والتفكك الأخلاقي نسأل الله العافية والسلامة

  2. شكرا لحضورك الرائع أستاذي هلال اليزيدي وفعلًا نحن بحاجة إلى التمسك بديننا أولا وعاداتنا وتقاليدنا الأصيلة ثانيا ويجب علينا زرع ذلك في الأجيال المتعاقبة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق