أرشيف الأخبارثقافة وفنون

ما يحتاجه المسرح السعودي لانطلاقة حقيقية.. الدراسة العلمية أهم من توفير الأدوات

 

إعداد: شاهر النهاري

 

دائما ما يساهم المسرح في تكوين النظرة الثقافية الفنية المجتمعية، كأحد مقومات النهضة، والرقي، والأصالة، الذي عرفت قيمته شعوب العالم المختلفة، منذ العهد اليوناني، الأول، وكيف تدرج وتجسم الفكر والمعارف على خشباته، ليكون المسرح منبرا، يحيي العقول، ويباري عجلات النهضة، ويرسم أحوال المجتمع بمصداقية، ويطور الطرق العقلانية للقدرة على التفكير والتعبير والحوار، والبوح بمكنون الروح الإنسانية، أثناء مقابلة الجمهور، ونقل الحقيقة لهم مباشرة، وذلك ما ساعد على تسمية المسرح، بأبو الفنون، فلا يمكن لكاتب، ولا لرسام، ولا لمؤدي، ولا مخرج، ولا سيناريست، ولا مهندس صوت أو ضوء التميز، إذا لم ينالوا حظهم الكامل من التعامل والوقوف على خشبة المسرح، ذلك الجسر النوراني، الذي يعانق من يجلسون أمامه من جمهور، ويحاول رفعهم، إلى درجات أعلى وأسمى.

 

ومنذ نشأة الملكة العربية السعودية، حاول البعض ممن قرأوا عن المسرح، ومن شاهدوه في بلدان سبقت، بتجارب أفراد سعوديين كانوا يرون موهبتهم سواء في الكتابة للمسرح، أو المشاركة في التمثيل، أو المساعدة في تهيئة أرضية المسرح، زاولوها في حارات وجمعيات ونوادي، ضمن محاولات حصلت بمجهودات فردية، لم يكتب لأغلبها أن تبرز، أو أن تتأسس على أصول دراسية أكاديمية، محكمة، ولا أن تتكامل بالتجربة الطويلة، فكانت المسرحيات مجرد تجارب حماسية متفاوتة، وفعل يرتبط بالمناسبات، وأمانات بعض المناطق، بعروض هزيلة، فلا تزيد كثيرا عن ليلة عرض يتيمة، يصعب خلالها التجديد والإتقان.

 

وكانت هناك بعض المحاولات من الجامعات في تكوين أساس للمسرح الجامعي، وتم عصر مفهوم المسرح كثيرا، واستعين بعقول وخبرات عربية لم تتمكن من اظهار حال المسرح السعودي الصافي، لا في السابق، ولا كما رأينا مؤخرا فيما تفعله مجموعة الأم بي سي، والتي صنعت ما يسمى بمسرح السعودية، بجهود الممثل والمخرج المصري أشرف عبد الباقي، والذي جعلنا نرى فيما يفعله صورة طبق الأصل عما قام هو بتفعيله في مصر، وبمحاولة للعودة بعد أن ابتعدت هي الأخرى عن المسرح الجاد لفترة من الزمن، وقد كانت منارة دائمة أصيلة للمسرح العربي.

وأولى الخطوات الجادة جاءت بمبادرة وزارة الثقافة السعودية، البدء في إطلاق المسرح السعودي، في حفل عظيم، وبعرض مسرحية بعنوان (درايش النور)، وهي محاولة جديدة، تحكي عن الرؤية، والتغيرات الاجتماعية، التي حدثت للشعب السعودي مؤخرا، مرورا بتاريخ الحقب الماضية من التاريخ، نص من تأليف الشاعر صالح زمانان، وإخراج فطيّس بقنة، ومن بطولة إبراهيم الحساوي ود. نايف خلف وعبد العزيز المبدل وشافي الحارثي وخالد صقر وشجاع نشاط، إلى جانب مجموعة من المواهب الشابة.

وبهذه المبادرة تنوي وزارة الثقافة، أن يكون نشاطها هذا إعلان لبداية قوية لمسرح سعودي مدعوم من الدولة، ومستمر في العروض، فلا يأتي عليه زمان وجود يعقبه عدم وجود، ولكن هل هذا ما سيتم، أم أن الانتقائية، والارتجال، وعدم التدرج، ونقص الكفاءات، سيظل عائقا أمام تكوين أي مسرح سعودي؟، وقد تم أيضا تعيين الأستاذ سلطان البازعي، رئيسا تنفيذيا لهيئة المسرح، ونحن نتمنى له التوفيق، وأن يتميز في نظرته وخطوته.

ووفقًا لمختصين فإن ما يحتاجه المسرح السعودي، هو الغوص، في أسس عالم المسرح الحقيقي، الرصين، وعدم اتباع مبادرات أنصاف المسرحيين، وغطرسة الواهمين، والعودة لتدريبهم من الصفر، في جميع الأوجه، لتغطية جميع وظائف المسرح الأصيلة، والفرعية، وتأكيد وجود الموهبة، خصوصا وأن أغلب الممثلين الحاليين، لا يتمكنون من حفظ النص، ويعودون بالمسرح للخلف، وللرغبة في الإضحاك الوقتي المفتعل!

ويرى المختصون أن الكاتب أو الأديب في مجالات أخرى، لا يمكن الثقة بما يكتبه من نصوص للمسرح، فهذا يعد تعديا، على الأصول المتبعة والتخصص المكين، في كل مسارح العالم، التي تتميز، وتتخصص، ولا يسودها عشوائية التكوين، والتنفيذ، فيجب على الوزارة انتقاء الكتاب، الواعدين الراغبين، في الكتابة للمسرح، وإخضاعهم لدورات تدريبية طويلة مكثفة، مهما طالت خبراتهم بالقلم، واخضاعهم لورش عمل تبرز القلم الموهوب من المدعي، حتى نتمكن بعد تجريب عشرة كتاب، الحصول ولو على كاتب واحد، يبرع، ويفهم روح المسرح، ويساعد على التطوير في مراحله القادمة، فليس كل من كتب رواية، قادر على الكتابة للمسرح، وليس كل من أخرج برنامجا قادر على اخراج مسرحية حية، يسير فيها الجموع، ويضبط أنفاسهم وكلماتهم وخطواتهم باقتدار.

وفيما يخص التمثيل فله أدواته التي يجب أن تكون موهبة مسلحة بالمعلومة، ولا يمكن أن يتقنه شخص ببغاء يعيد ترديد الكلمات، دون تموضع علمي للوقفة والإيماءة، والمسار، ودون روح، ودون احترام للمسرح، ولمن يتابع العرض، ولا يجوز أن نحول خشبات المسرح، لمنطقة قفشات، ونكات بذيئة، وتلميحات جنسية، ونقول إن هذا جو مناسب لمسرح عائلي، المسرح كيان عميق عظيم متكامل، ولو لم يكن مهندس الضوء، ومهندس الديكور، ومهندس الصوت وغيرهم من المساعدين متمكنين متعمقين في معاني المسرحية، وأن لديهم الأساس العلمي، فلن يكون المسرح قويا ولا أصيلا، وسيبقى في خانة الزيف ومكان للاستعراض الرخيص، والذي لا يخدم الفكر ولا الثقافة ولا الفن، ولا الإنسان.

وللمسرح دور عظيم في تكوين الهوية الثقافية، إذا لم يكن يشعرك منذ رفع الستارة بأنه عمل متكامل محكم خاص، لا ابتذال فيه، ولا تداخل مع ثقافات المسارح العربية أو الخليجية، فإنه يكون مسرحا بلا هوية وطنية، والوطنية على المسرح، لا يجوز أن تكون مجرد شعارات تتردد، وكلمات مباشرة مبتذلة، لا تخرج من، ولا تبلغ العمق، المسرح إن لم يحضره الجاهل، والعالم، والمثقف، وضعيف الثقافة، وأن يخرجوا منه وهم سعداء بما شاهدوا، بأن أحدا لم يستخف بعقولهم، ولم يضحك عليهم لمجرد تضييع عدة ساعات من وقتهم، وأخذ أموالهم، ليس مسرحا، والمشاهد إن لم تثار مشاعره العميقة الأصيلة، وترتفع مستويات ثقافته بجلوسه في المسرح، وأن لم تكتمل سعادته بالعرض، ببلوغ بعض مناطق الإنسانية الشفيفة، وبشكل محبب مليء بالرقي، وإلا فما فائدة المسرح، وتضييع ساعات من الحياة، لبلوغ هدف لا يتضح مكانه.

المسرح يا وزارة الثقافة، ليس مجرد خشبات، وستائر، وبهرجة، وأثاث يتغير، ودعم، إذا لم يكن يساعد على تحريك العقول.

وهذا ما نتمناه في مسرحنا السعودي القادم، وببصمات وطنية شابة، أكاديمية، عارفة، مؤسسة بالعلم، لا تتسلق على الستائر، ولا تستهين بالوقوف على الخشبة، أمام جمهور يرتجي الأفضل، ولا تحرق الأثاث وتذر التراب في الأعين، ليضحك المشاهد.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق