الرأيكتاب أنحاء

القرآن ومحمد الخامس في الحرم المكي

في ٢٩ من رجب، ١٩٧٩هـ/١٩من يناير،١٩٦٠م، قدِمَ ملك المغرب جلالة الملك محمد الخامس و بمعيته الشيخ عبدالباسط عبدالصمد إلى مكة المكرمة.. و أقاما فيها اربعا.

أثناء زيارة الملك، كان المُقرئ الشهير الشيخ عبدالباسط يصدحُ بالقرآن بصوته الجهير و أدائه المتميز المثير، و ذلك من على مُكــَــبَّرية المقام الشافعي فوق بئر زمزم و مُطِلاَ من الجهة الشرقية على صَحن المطاف القديم، و في مواجهة باب الكعبة.

و استمر ذلك الأداء الفريد، الذي ما كان قبله و لا بَعده، في فترتين: بين العِشائين و قُبيلَ الصبح. و كنتُ -مِثلَ غيري ممن كانوا حاضري المسجد الحرام- مشدوهاَ و مندهشاَ بل و مأخوذاَ بهكذا حركة تاريخية في وسطِ المسجد.

و كان جلالة الملك محمد الخامس قد وصل إلى الرياض قادماَ من دمشق بِالجناح الشمالي من الجمهورية العربية المتحدة، و كان في استقباله جلالة الملك سعود؛ ثم وصل الى جدة بعد عصر الثلاثاء ١٩ من يناير، ١٩٦١م مصحوباَ برئيس بعثة الشرف، الأمير بدر بن سعود. و كان في استقباله في مطار جدة (أميرُ مكة) الأميرُ متعب؛ و (قائمــَقام) جدة عبدالرحمان احمد السّديري؛ و وكيل وزارة الخارجية. ثم توجّه إلى مكة لأداء العمرة، حيث كان في استقباله قرب ابوابها (بــِيبانـــِها) نائب رئيس مجلس الشورى/احمد ابراهيم غَزّاوي (و كان رئيس المجلس الأمير فيصل بن عبدالعزيز)؛ و أمين العاصمة/عبدالله عُريف؛ و تمَّ عَزف السلامَين الوطنيين للبلدين؛ و قامت ‘حامية مكة’ بإطلاق مَدافعها ٢١ طلقة تحيةَ لجلالة الضيف. (الحامية.. القـَشلــَة، و أصلُ اللفظة في التركية/قشلاق)

و توجَّه جلالته بعد القهوة مباشرة إلى الحرم لأداء طواف العمرة و السعي، و أيضاَ فتحَت له الكعبة؛ و من ثم توجَّه الموكب إلى القصر الملكي.

ثم واصلَ جلالة الضيف حضوره إلى المسجد الحرام يومياََ لأداء صلاتي العِشاء و الفجر في المسجد الحرام.. مَسبوقاَ بتراتيل مميزة من الشيخ عبدالباسط. كانت تعمُر أرجاءَ الحرم، بل و لهدوء وادي الخليل بِرمـّته خاصة في فترة يناير بدون جلبة من اي مكيّفات فكان القرآن يسمعُ أيضاَ خارج المسجد.. فلقد كنتُ أسمعُه في بيتنا بجبل عُمر.

و بقيَ الشيخُ المقرئ و  (الملكُ و أهلُه) بمكة المكرمة إلى ما بعد أداء صلاة الجمعة.

(في غضون ذهني كأنّي اذكرُ انه كان يُحضرُ بمعيَّته إلى الحرم طفلةٌ.. (الـّلاّ؟)

و لفظة (لـَلاّ) في اللهجة المغربية تعني (سيدة). و لعل تلك الطفلة كانت حفيدة الملك.

و سمعتُ أن جلالته واصلَ رحلته إلى المدينة المنورة لزيارة المسجد النبوي مارّاَ بمدينة ‘ينبع النخل’ (حيث خلفيةُ بعض اسلافه من الأدارِسة، و فهِمتُ انْ فـُتحتْ له الحُجرةُ النبوية جُوارَ الروضة بالمسجد النبوي.. و هو شرف تمكـّن منه قبله فقط بعضُ العثمانيين في زمانهم، ثم تمكــّن أيضاَ من هكذا دخول بَعدَه: محمدُ رضا بهلوي، شاه إيران).

و كان الملك محمد الخامس قد جعل زيارته للحرمين مِسكَ خــِتام رحلة تاريخية بدأها بالقاهرة، وقتـَها عاصمة الجمهورية العربية المتحدة أيام الوحدة التاريخية بين مصر و سوريا)، فاستقبله الرئيس جمال عبدالناصر؛ و زار أيضاَ دمشق في الجناح الشمالي من الجمهورية العربية المتحدة فكان في استقباله عبدالحكيم عامر. و حرص جلالته على زيارة مخيم اليرموك الفلسطيني حيث وضع حجر الأساس لمستوصف للاّجئين هناك.

و لا ازالُ اذكرُ سماعَ صوتِ جلالته في خطابه الإذاعي المُوجَّه إلى شعبه قبيل مغادرة المغرب يخبرهم فيه بعزمه التوجّه إلى منطقتنا في الشرق الأوسط. و لا تزال كلماته ترنُ في ذهني خاصةً حين لاحظتُ نــُطقَ جلالته المميز في اللهجة المغاربية لاسم كل من الجمهورية العربية ‘المتحدة’ و المملكة العربية ‘السَّعودية’.

(و لو اني لا أذكرُ الآن أكانَ بثُّ خطابه ذاك قد وصلــَنا عن طريق ‘هنا لندن’ ام ‘صوت العرب’ ام راديو مكة).

كان مولدُ محمد بن يوسف في١٠ من أغسطس، ١٩٠٩م، في مدينة فاس بالمغرب؛ و قبل فترة والده (يوسف) كان جدُّه (الحسن) سلطانا؛ و تولى هو زعامة المغاربة بمسمى ‘سلطان’ من ١٩٢٧-١٩٥٣م، حين اقدم المستعمرُ الفرنسي على القبض عليه و  نفيه في ليلة عيد الأضحى، في ٢٠ من أغسطس، ١٩٥٣م، اولاََ إلى جزيرة كورسيكا في البحر الأبيض ما بين إيطاليا و فرنسا؛ ثم إلى جزيرة مدغشقر في المحيط الهندي إلى الشرق من قارة افريقيا، ١٩٥٣- ١٩٥٥م.

و في فترة تنحيته و نفيه هذه تمّ تنصيب احد أبناء عمومته (بن عرَفة) سلطاناَ على المغرب بين ٥٣-١٩٥٧م.

لكن (محمد بن يوسف) عاد من المنافي و أجرى مفاوضات مُضنية مع كل من المستعمرين الفرنسيين و الأسبان.. على الاستقلال؛ و نجح في فبراير، ١٩٥٦م في إتمام اتفاقية الاستقلال على الوضع الحالي لمملكة المغرب. و يبدو أن المفاوضات مع فرنسا/الجمهورية الرابعة كانت اقل مَضاضة و قسوة من التفاوض مع الأسبان.. حيثُ تمّ الابقاءُ على (سـَبتة) و (مليلة/’أُمليلة’؟) في شمال المغرب على البحر الأبيض المتوسط تحت نير استعمار أسبانيا، و حيث أُبقيت كذلك منطقة ‘الصحراء’ المغربية -ما بين مدينة العين و حدود موريتانيا- منطقةَ شِبه مُعلـّقة. (كما و كان المرحوم يودُّ لموريتانيا ان تكون جزءاَ من مملكة المغرب المستقلة).

و بعد أن تمْ اعلانُ لقب محمد الخامس ملكاَ للمغرب، في ١٤ من أغسطس، ١٩٥٧م، استمر جلالته كذلك حتى وفاته في عاصمة المغرب الرباط و هو تحت تأثير (البنج) أثناء إجراء عملية صغيرة، في ٢٦ من فبراير، ١٩٦١م.

و أذكر كــَم كانت صعقة مفاجأتنا بنبأ تلك الوفاة.. في مكة و في المملكة و في الوطن العربي حديث الاستقلال؛ و لم يتجاوز سن جلالته الثالثة و الخمسين عاماَ!

و كانت تلك الوفاة بالكاد بعد مُضيْ شهرٍ واحد على زيارة جلالته لمكة المكرمة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق