الرأيكتاب أنحاء

الهدف الأسمى

لم يمر العالم من قبل بمثل هذه الظروف التي نعيشها الآن، كما لا توجد أحداث سابقة يمكن أن يتم الاستناد عليها لاستقراء المستقبل، لذا فقد تكون الحرب وما تجره من ويلات و ما بعدها من تبعات أقرب مثالا لما نمر به الآن.

وقد يتبادر الى الذهن أحداث و أوبئة كانت أشد فتكا مرت سابقا و استطاعت البشرية النجاة منها واستمرت الحياة بعدها. و لكن الفرق الآن هو أننا من سكان القرية الكونية في عصر العولمة. فعبارة أن العالم قرية صغيرة قد تعني أنه عندما يعطس جارك في الصين قد يصاب بالرشح جارك الآخر في نيويورك، بينما في السابق كانت الأخبار(و الفيروسات) تصل بعد انقضاء الحدث و إكتشاف الدواء و المصل، أو لا تصل أصلا.

كان التجنيد للقتال في الحرب العالمية لا يستثني أحد من شباب أوروبا ، كما كانت القنابل المتساقطة لا تستثني أحد من القاعدين في مدنها. انتهت الحرب ومات من مات ولكن لم تمت الحياة ، بل ربت و ازدهرت كما كانت وأفضل.

لعل أمريكا وألمانيا يشكلان أبرز النماذج لبلدين خرجا منهكين بعد الحرب العالمية، إلا أنهما توجها لتحشيد جموعهما للإنتاج الصناعي الذي كفل لهما الاكتفاء وعدم الحاجة للخارج. وتمكنا من أن يكونا أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم لعقود ما بعد الحرب والتي اتسمت بالاستقرار النسبي.

أدى ذلك الاستقرار في ظاهره إلى الإدراك أن بناء الإنسان وسعادته ليست ترفا تغري به الانظمة الرأسمالية الشعوب للسيطرة عليهم، ولا أن الأنظمة الشمولية المستبدة لديها القدرة على قيادة الشعوب كالقطعان إلى المراعي الموعودة. بل أن ازدهار الإنسان اقتصاديا هو الورقة الرابحة، وانعكس ذلك في التنظيمات المحلية و في العلاقات الدولية على السواء مما أدى إلى اضمحلال عامل تأثير المخاطر السياسية في المعاملات المالية. فالحروب المتفرقة كحرب فيتنام و كوريا و البلقان لاحقا، و الانقلابات العسكرية وحتى العمليات الارهابية في مرحلة ما بعد الحرب العالمية  فقدت قدرتها على تحويل مسار النمو الاقتصادي ورغبة الإنسان بما هو أفضل.

وبالرغم من عدم الاستقرار السياسي المصحوب بالتهديد بالحروب و سباقات التسلح و الحرب الباردة في مرحلة ما بعد الحرب العالمية، وتحديدا ما بين 1950-1969 لم يتأثر النمو الاقتصادي إلا مؤقتا و استمر زخمه بوتيرة جادة.

أتاحت تلك الفترة الفرصة لدخول دول كبيرة في الاقتصاد العالمي وصعدت قوى اقتصادية أخرى ليست بالضرورة غربية كاليابان التي حافظت على نسبة نمو بمقدار 9% لأكثر من 20 سنة على التوالي*1، و كذلك النمور الآسيوية و الصين و كوريا ، وأيضا برزت قوى منافسة لم يكن لها وجود أصلا كالاتحاد الأوروبي، و تكتلات اقتصادية أخرى مترابطة جغرافيا في مختلف أرجاء العالم. وحتى الانظمة الشيوعية البحتة مثل روسيا والصين تبنت الرأسمالية الإشتراكية لتلحق بركب الازدهار.

تداخلت الأسباب و كثر اللاعبون و كبرت الكعكة  و أخذت دول وكيانات دورها في التنافس على مكانتها الاقتصادية وقدرتها على الهيمنة. و حتى الدول التي صنفت منكسرة استوعبت متطلبات المرحلة وسلكت نفس المنهج للخروج من ظلمة نفق ذل الأتكال إلى نور الطليعة في مسيرة الحضارة وتقدم الأمم.

فيتنام تشكل مثال حي. فمن دولة محطمة عصفت بها الحرب لعقود إلى قوة اقتصادية تتسابق الشركات العالمية لتوقيع عقود صناعية و تجارية معها.

لم تأت هذه النجاحات بالتمني أو لأن شعوب تلك البلدان أعطاها الله ما لم يجود به على غيرهم، بل لأنهم كانوا متمركزين و مستعدين للانطلاق مع أول إشارة. فهناك شعوب و أمم أسبغ الله سبحانه و تعالى عليهم بما لم يسبغ به على غيرهم من كنوز الأرض و السماء. و هناك شعوب تعيش شظف العيش و يتضورون جوعا بانتظار أن تمتد لهم يد العطف و العون، و لا ينهضون.

الأزمات تصنع الفرص. و كلما اشتدت الازمة كانت الفرص أكبر وهذا ما أدركته قيادتنا الرشيدة منذ بداية الأزمة فكثفت الاستثمارات الخارجية من خلال صناديق الدولة الاستثمارية و طرحت البرامج الاجتماعية والمساعدات المالية لمساندة الأفراد و الشركات، و هاهي الان تقارير المحللين الاقتصاديين في وسائل الإعلام الدولية  تتنبأ بتموضع المملكة العربية السعودية التموضع الصحيح لإنطلاقة صاروخية بإذن الله.

“حيث أثبت الاقتصاد السعودي قدرته على مجابهة عاصفة كهذه،  ستحظى السعودية بعوائد أعلى و حصة أكبر في أسواق البترول عندما تستقر تلك الأسواق.

السعودية أكدت قوة موقعها الجيوسياسي”*2.

وحتى تتم الاستفادة القصوى يجب علينا الانتباه والإدراك أننا أيضا كشعب يجب أن نتموضع التموضع الصحيح كالجنود تحت إمرة قيادة شجاعة ذات رؤية واضحة ونكون مستعدين لأخذ أدوارنا في بناء وطن عظيم.

الناس هم الشعوب والشعوب هي الأمم و مقياس إنتاج الشعوب والأمم هو إنتاج الأفراد كل في مجاله. فحارس الأمن قد يطلب منه أن يقوم بدورة استطلاعية واحدة ولكنه يقوم بدورتين أو اكثر، و الطالب قد يطلب منه أن يقوم بحل مسألتين أو أكثر ولكنه يقوم بحل المسائل كلها، وموظف الشركة يعمل لساعات إضافية أكثر من ماهو مطلوب منه والمهندس والمدرس والطبيب و الوزير والفراش والخفير. الكل يعمل بطاقته القصوى من أجل رفعة وطن شعاره لا إله إلا الله.

ومتى ما دخلنا في هذا السباق مع أنفسنا، وبدون أن نلتفت أو نشتت أفكارنا بغيرنا وركزنا على الهدف الأسمى  سيلهث الآخرون في سعيهم للحاق بنا ولن يستطيعوا، فهذه البلاد “قد حباها خالقي حبه دون البلاد”*3

*1-The Post-American World – Fareed Zakaria

*2- Forign Policy – Jason Bordoff. May 5, 2020

*3- مقتبسة من قصيدة لمحب الوطن الشاعر الدكتور محمد القويز.

 [email protected]   

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق