الرأيكتاب أنحاء

قطر.. الحضن الخليجي أم مشنقة التحالفات

يعد مجلس التعاون الخليجي ركيزة أساسية في هيكل بناء المجتمع الخليجي، فوحدة الشعوب حقيقة وجودية أصيلة و لم تكن يومًا نتيجة قرار سياسي، على الرغم من إقامة المجلس ١٩٨١ كان نتيجة لـ الإرادة السياسية وهذه الأخيرة لم تُصنع من العدم بل هي استجابة موضوعية لواقع ولمجتمع خليجي متشابهة في غالبية تفاصيله.

انتشرت في الأيام القليلة الماضية أخبار غير مؤكدة عن عزم الدوحة الإنسحاب من مجلس التعاون على خلفية المقاطعة مع بعض أعضاء المجلس الخليجي، لا شك أن هذه الأخبار تعد مزعجة للمجتمع الخليجي الذي عُرف عنه الترحيب بالتوجهات التي تعزز الوجود الخليجي وترفض محاولات شق الصف.

الخلاف القطري مع بعض دول مجلس التعاون ليس جديدًا فالرغبة القطرية في التغريد خارج السرب قضية لها موضوعاتها وتاريخها وفي بعض أوجهها رفضت الدوحة تدخل دول المجلس؛ نتذكر قيام قطر في الرفع لمحكمة العدل الدولية بشأن الخلاف الحدودي مع البحرين ففي هذه القضية رفضت الدوحة الواسطة السعودية وأصرت على التحكيم الدولي ١٩٩١  وأصدرت محكمة لاهاي حكمها في الخلاف ٢٠٠١ وعلى هذا لم تعترض البحرين أو السعودية على هذا التوجه المنشق عن مجلس التعاون، وعلى مدى العشر سنوات مدة التقاضي شاركت الدوحة مع الدول الخليجية بكل اجتماعات القمم الخليجية.

الدوحة استخدمت كُل اسلحتها السياسية والإعلامية للضغط على دول مجلس التعاون بمجملها المقاطعة وغير المقاطعة، لقبول توجهاتها السياسية المرفوضة من بقية الأعضاء لتمارس خروجها عن نصوص الاجماع الخليجي. فهي لها توجهاتها السياسية التي تضرب بعض أجزاء الاستقرار الخليجي وتطالب اشقاءها بالتعامل مع هذه التهديدات كواقع مقبول وعليهم التعايش معه وليس التعامل معه بإرادة سياسية تختلف معها بالنظرة وأدوات التعامل؛ فالدوحة تشعل الحرائق وتطالب غيرها بعدم اطفاءها مثل دعمها سياسيًا وماليًا وإعلاميًا جماعة الإخوان للوصول إلى الحكم في بعض الدول العربية وتشجيعها لأعضاء هذه الجماعة سيما الخليجين منهم بالقيام بنشاط سياسي وفكري وحتى استخباري لصالح مشروع الدوحة الإخواني، فإصرار الدوحة على مشروعها الإنقلابي التخريبي اسقط جميع المحاولات الخليجية التي تجعل من قطر دولة تحترم مسببات الوجود والاستقرار الخليجي.

السياسة القطرية قلقة من اعتبار استقرارها من استقرار دول المجلس، فقبل المقاطعة كانت جميع رهاناتها السياسية تقوم على شد حبال التهديدات نحوها وأن رأت سوء سياستها وخطرها عليها لـ رمت حبل التهديدات عنها، أما بعد المقاطعة فالحبل التف حولها بعد تحالفاتها السياسية مع دول إقليمية تنسجم سياساتها مع مشروع الانقلاب التخريبي في المنطقة. وهنا قطعت الدوحة خط الرجعة عليها ووضعت عراقيل ضخمة أمام جميع الوساطات التي تحاول تقريب وجهات النظر، بل ذهبت إلى أكثر من ذلك حين سعت لعقد شراكات سياسية مع منظمات سياسية وأفراد فاعلين دوليين من أجل تشكيل واقع جديد لمجلس التعاون ومستقبله، من خلال تركيزها على ملفات حقوق الانسان وظروف الحرب في اليمن ليس من الواقع الموضوعي بل وفق اعتباراتها الدعائية.

في التسعينات كانت الدوحة تخالف سياسات مجلس التعاون من أجل صناعة وضع مختلف لها في بيئة المجلس، ولتقدم إشارة رمزية للعالم أنها تختلف ليس من جهة بناء ديمقراطية فعلية في داخلها بل في قدرتها على الإرباك ومساندة المختلف حتى لو كان هذا المختلف على خطأ مثل مساندتها لصدام حسين وحزب الله والقاعدة فذهبت لصناعة الضجيج والإثارة وكان لها ذلك، الشئ الغائب عنها هو معرفتها بمدى قدرتها على الاستمرار فيه!

انسحاب الدوحة من مجلس التعاون سوف يفقدها الرمزية المختلفة التي صنعتها لنفسها فخسارة الدوحة متحققة في اتجاهين: الأول أن استمرارها في المجلس مع وجود المقاطعة يفقدها المشاركة الفعالة في نشاطه، والأخر أن انسحابها سوف يجعلها تخسر رصيد سياسي وشعبي لا يمكن أن تعوضه من تحالفاتها الجديدة.

في الثلاث سنوات الماضية فرضت الدوحة على نفسها إلتزامات جديدة فحلفها مع طهران وأنقرة القائم بالأساس على خلافها مع بعض أعضاء من مجلس التعاون، لن يغير من طبيعة المقاطعة لصالحها  بل زاد الأمر تعقيدًا ومع مرور الوقت ستجد الدوحة أنها غير قادرة على دفع فاتورة هذا التحالف؛ لأنه لن يدفع عنها خطر عسكري خليجي لأن هذا الأمر ليس موجود في الأساس وأن  كان هناك خطر فالقاعدة الامريكية في عديد كفيله به. قواعد اللعبة تغيرت والدوحة ليست طرفًا فيها، فهي وضعت نفسها ميدانًا للتنافس الإيراني التركي فهل لديها القدرة على إدارة هذا التنافس؟ أشك في ذلك!

العمل وفق مقتضيات المصالح الخليجية واضحة أمامها فهل ترغب الدوحة أن تستمر كجزأ من هذه المصالح أم تريد أن تكون ممول لتحالفات جديدة تعتقد وهمًا أنها ستقوم على انقاض مجلس التعاون الخليجي.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق