الرأيكتاب أنحاء

المؤسسة الفاسدة والإنسان المطحون

الجدات قبل اكتشاف الأجهزة الذكية الطاحنة التي أشغلت الأطفال عن أهاليهم وأشغلت الأهالي عن أطفالهم – والله أعلم بالنتيجة الاجتماعية-، كنَّ  يحكين حكايات فيما يبدو من نسج خيالهم، بل بالتأكيد أنها خيالية، ويستخدمونها كالزبادي لتنويم أطفالهم، ويغلب على هذه الحكايات الخرافة، ولكنها ممتعة من حيث النكت وتسلسل افكارها واختيار أبطالها، ولكي يجذبن في قصصهن الهدوء مع الإنصات من قبل المتلقين (الأطفال)، يدخلن في مسرحيتها شخصيات مغيبة عن الأنظار تارة الجن وتارة الموت، ليضرب الخشوع على أسماع الأطفال من الرهبة وتنطلق الجدة في فصول مسرحية حكايتها لأطفالها وقبل أن تسدل الستار على كل فصل بل في ثنايا عباراتها وهي تسرد القصة تردد (بسم الله علينا) وتضرب بيدها على صدرها لتعيّش أطفالها في ذلك الجو وتشعرهم بأمر ما، أنه حولهم لا تراه العين (النوم) فيصمت الأطفال بكل إنتباه حتى ينتهي عرضها السينمائي وقد هجم النوم على المستهدفين.

 فكانت إحداهن اختارت لأطفالها قصة فرعون، قبل أن يكون فرعون وكيف كان فرعون، تقول الجدة لأطفالها أن فرعون كان انسانا مطحونا، وتجيب على تساؤلات أطفالها، إنسان مطحون؟ يعني انسانا مشردا لا بيت له ولا زوجة ولا أهل، كل ليلة ينام تحت جدار أو جسر أو شجرة يعني (homeless) (يقوله الأطفال)، فذات ليلة أواه المبيت الى جدار قديم ومتطرف من ناحية المدينة، وعندما أشرقت شمس اليوم الثاني فإذا بمجموعة من الناس يأتون إلى هذا الجدار وهم يحملون لهم ميتا، فرأوا هذا الرجل النائم على باب الجدار فظنوا أنه هو حارس المقبرة، فاستأذنوا في الدخول ودخلوا لدفن ميتهم، وعادة الناس عند المصيبة يزهدون في الدنيا، فتكثر عطاياهم وصدقاتهم، فامتلأ حضن فرعون من مال هؤلاء المجموعة، المهم العملية نالت اعجاب فرعون، وحس بالمسئولية فأتخذ له عند ذلك الباب مقعداً ومرصدا ونصّب نفسه حارسا يأخذ على كل جنازة أجرة من غير الصدقات فامتلأت الصناديق التي وضعها بجواره حتى أصبحت كنز المدينة، وفي ذات يوم رأى فرعون شابا أنيقا يرسم على الجدران أشكالا جميلة فتعرَّف عليه، تدرون من هذا الشاب يا أطفالي (تقوله الجدة لتشد انتباه أطفالها، الذين أكثرهم قد نام منذ بدأت القصة -كعادة الطلبة أثناء شرح الأستاذ الدروس المهمة- الا واحدا منهم كان متفاعلا مع سرد الجدة، وكلما أوردت قصة لفرعون أو هامان يتفاعل معها بكلمة (أخس)) فرد من كان صاحيا منهم بـ(لا) من يكون ياجدة؟ فتجيب الجدة ذلك الشاب هو (هامان) تستطيعون أن تقولوا أنه متخرج في الهندسة، ويبحث عن وظيفة تليق بمؤهله، وحتى لا يعاني من البطالة فهو يقضى وقته بالتنفيس بالرسوم بهذه الطريقة الجميلة التي يبرز فيها قدراته ومهاراته، المهم اجتمع هامان مع الـ(homeless) صاحب الصناديق التي اصحبت كنز المدينة، وبطريقة أو أخرى وجد هامان فرصته مع فرعون الذي بدأ في الفرعنة على يد المهندس هامان فأصبح يبني من الكنز المباني ويأجرها على حكومة زمانه، وهكذا حتى اصبح فرعون وهامان وقد شاع صيتهما، فكل ما مر على فرعون مأزق استدعى لها مهندسه هامان، ويقال أن فرعون بسبب حياته في (homeless) صار جسمه يقاوم كل الفيروسات والميكروبات، إلى درجة أن جميع الغذاء الذي يأكله لا يحتاج فيه الى حمام، ويمر عليه أربعون يوما وهو لا يدخل فيها الحمام، حتى رأى عصا موسى فأكل بعدها (خازوق) أصبح لا يخرج من الحمام من شدة تحرك بطنه، ففي اليوم الواحد يدخل الحمام 40 مرة.

وابليس يجول في عقلية فرعون بالأفكار الغريبة وهامان يترجمها بتصميم على أرض الواقع ليصدقها الناس، بعدما استخفهم، وفي يوم من الأيام (طفش) فرعون من مقابلة هامان فأمر حارسه أن لا يأذن لكائن من كان وهو يقصد بالكائن هامان، وأعطى الحارس أوامره بأن الرب مشغول بالخلق، فجاء هامان كعادته الى قصر فرعون فما كان من الحارس إلا ويرده بحجة أن الرب مشغول بالخلق، وهامان لا تنطلي عليه هذه الحجج لأنه مهندسها ومقاولها فوكز الحارس حتى وقع على قفاه، ودخل إلى فرعون  فوجده مستلق على ظهره في حالة استرخاء وفي يده جزرا يقضم منه بفمه، فقال هامان لما رآه منسدلا (على هامان يافرعون وتقول مشغول بالخلق) يعني الحجة هذه مشيها على غيري فصارت مثلا.

وتواصل الجدة في آخر فصولها بأن عقلية فرعون مفتوحة لإبليس فأفكاره التي لم تعد تحتاج لوسوسة، أصبح ابليس يذعر منها لشدة جهنميتها، فقد وصلت به الحال إلى أن  قال (أنا ربكم الأعلى)، ففزع ابليس مسرعا الى زوجته هماليل وأولاده منها الصغار وقال هذا المطحون (خربها) يعني فرعون، وهذه جرأة خطيرة ستنكب أهل الأرض لهذا هيا بنا بالهرب الى البحر قبل أن تحل المصيبة فتشملنا، فهرب ابليس وعائلته الى البحر متوقعا حصول الكارثة، ومردة الشياطين يهربون للبحر ففيه اسرارهم (بسم الله علينا) هكذا ختمت الجدة حكايتها وإذ أطفالها قد ناموا جميعهم الا ذلك الصغير أصبح معه متلازمة (أخس) لم تصب عينه النوم، بل أصبح وهو يسبح في خيال شخصيات حكاية جدته، التي تستهدف لصغارها مجرد النوم.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق