الرأيكتاب أنحاء

أوزبكستان.. عن الخبز والرمان والعنب

“الخبزُ أبٌ، والمياه أمّ”. مثل روسي.

أتلفت يمنة ويسرة، بتلك السكرة التي تدهمك، ولا تملك إلا أن تقف مذهولاً مأخوذًا بالدهشة حولك. سوقٌ شعبيٌ خاص بالخبز الأوزبكي، هناك في الطريق البري إلى ولاية فرغانة. تجول ببصرك لترى البائعات من مختلف الأعمار، بتلك الأزياء الأوزبكية فاقعة الألوان، معتمراتٍ المناديل على رؤوسهن، كتقليد شائع في الأرياف هنا. البائعات ينادينك بأصوات صاخبة؛ أن تأتيهن لشراء تحفهن التي رسمنها بأجمل النقوش على الخبز. نعم هو خبزٌ يؤكل، ولكن من فرط روعته؛ لا تملك إلا أن تأخذه وتقلّبه في يدك مأخوذًا ومعجبًا بالكلية مما تراه، وتهمهم في نفسك وتقول: من الخسارة بحقّ أن يؤكل هذا الجمال والروعة والفن الذي نقش بإتقان على وجه الخبز! تمضي وتدمدم: من حق هذا الجمال أن يُحفظ، ويُعلق في صدر ديوانية البيت، كتحفة فنية بالغة القيمة! صدقوني ليس ثمة مبالغة في الأمر، وأقسم لكم أنني قلت ذلك بعفوية، انطلقت رغمًا عني، وأنا أفوه بما قرأتم في “السناب شات”، فكل قطعةِ خبزٍ؛ لوحةٌ دائريةٌ فنيةٌ من فرط اتقان نقشها، ودقة طهوها، وجمال ألوانها، واستدارتها المتناهية، بشكل تجزم فيه أن ما بيديك ليس خبزًا البتة!

مئاتٌ من الأصناف متراصة على الطاولات، تحار ما تريد أخذه، فهناك خبزٌ للصباح، وآخرُ للظهر، وثالثٌ للمساء، وثمة مع الشاي، وآخر مع الفاكهة، وشيءٌ مع الحليب، وسابعٌ للايدامات، وهكذا تجد نفسك أمام خيارات لا تنتهي، ولا أظن وجود سوقٍ في مثل هذه الروعة والبساطة والفن وجمال أشكال الخبز وتعدد خياراته في العالم كله، على الأقل لم أرَ شخصيًا مثل هذا السوق الذي أنا فيه. لتفيق من سكرتك على صوت إحداهن وهي تجذبك لخبزها، عندما تميّز أنك سائحٌ غريبٌ عن المنطقة، هناك في “دُنغرا”، حيث السوق مقامٌ على الطريق بين مدينة “طشقند”، وقبل وصولك مدينة “قوقند” التاريخية.

كنت أتهادى وسط السابلة هناك في السوق، وقد أخذت بالكامل من روعة ما أنا فيه، أجول بين أكثر من مائتي وخمسين نوعًا من الخبز هنا، وكل واحدة منها لها غرضها وشكلها ونقشتها، أكاد أجنّ من فرط ما أرى، فأنا أعرف الخبز يأخذ بضعة أشكال معروفة، أما أن يكون بهذا العدد المذهل، فهذا أمر لم أسمع به أو أره!! وسألت البائعة الشابة هناك، وقد احمرّ وجهها خجلا، وأنا أثني على حجابها الذي تضعه على رأسها، وسألتها عن سبب هذا العدد الكبير من أصناف الخبز؛ لتجيبني أن كل عائلة هنا، ممن توارثت هذه المهنة؛ لديها نقشها الخاص، ومكونات الخبز الذي يرتبط باسم العائلة، وتبقيه سرّا تحافظ عليه. ففكّكت بإجابتها تلك طلاسم الأسئلة التي دارت في رأسي، ولم أرد مفارقة المكان أبدًا من الدهشة والروعة اللتين تلبّستاني، لولا أنّ الظلام خيّم علينا.

كنت حريصًا أثناء زيارتي المدن الأوزبكية -وحتى قراها أحيانًا- بالتجول في السوق الشعبي المركزي، وعادة تزخر بالبهارات والفاكهة والخبز والمكسرات، ومن أعجب ما رأيته هناك الفواكه الصيفية كالرمان والعنب، وأنا في عزّ الشتاء، تكاد أطرافي تتجمد، وعندما أبديت استغرابي، قالوا لي بطرائقهم في التخزين عبر الغاز الطبيعي، وفعلًا زرت مخزن فواكه في ولاية فرغانة، وذهلت وأنا أتناول العنب المخزّن، ولكأنه قطف للتو، وكتبت عن تفاصيله في كتابي،  لفت نظري حجم الرمان وشكله، فمن كبره يكاد يصل لحجم الشمام الصغير، ولكنني عندما تذوقت ذلك الرمان وجدت به بعض الحموضة، وقلت لمتابعيّ في “السناب شات” بأنه لا ألذ في العالم من رمان الطائف، من حيث الحلاوة واللذة.

بالمناسبة، شعرنا العربي يفيض بتشبيهات ملامح وبعض تفاصيل جسد المرأة بالرمان والعنب والتفاح، دلالة على روعة وعلو تلك الفواكه، ومن ذلك ما قاله ابن المعتز (شاعر عباسي):

لا ورمّانِ النهـودِ

 فوقَ أغصانِ القدودِ

وعَنــاقِيدَ منَ الصُّدغِ

ووَردٍ من خُدودِ

ووجُــوهٍ مِنْ بُدُورٍ

 طالِعاتٍ مِن سُــعـودِ

وادي فرغانة الذي نغذّ السير فيه الآن؛ وادٍ مشهورٌ بتربته وروعة هوائه، وأثناء مرورنا بمدينة صغيرة أخرى اسمها “رشتان”، قيل أن أجود أنواع الكمثرى على مستوى البلاد في هذه المدينة، وأعقبتها مدينة “أولتي أرغ” التي تعني الستة أنهار، وقيل لي أن فيها أفضل العنب أيضًا على مستوى أوزبكستان فيها، وبالطبع كلما قيلت لي معلومة، هرعت للتأكد منها فعلًا،  فأخذت بعض حبّات العنب هناك، وكان ذا طعم لذيذ جدًا، ويعرف الأصدقاء انحيازي الكامل لمدينة الطائف بالسعودية، مكان ولادتي ونشأتي، وعنب الطائف مشهور بحلاوته، بيد أن ما ذقته هنا من عنب كان أكثر حلاوة، ولاحقًا ذقت بعضه، وكان بحلاوة بالغة لا تستطيع أكله إلا بالخبز من شدة حلاوة حبات العنب تلك، واستحضرت غزل وهيام الشعراء بهذه الفاكهة اللذيذة، كأبيات الشاعر ابن معصوم المدني :

أَتانا لَذيذُ العنبِ رَطباً وَيانِعاً

بطَعمٍ كَطَعمِ الخُسرَويِّ المعَتَّقِ

وَنظمٍ كنظمِ الدُرِّ يَزهو على الدُمى

ذَكيٌّ مَتى يُتلى على السَمعِ يَعبقِ

إن كنا لم نعرف عن أوزبكستان إلا علماءها، إلا أنّ من يزرها سيطالع الطبيعة والأنهار والتأريخ والجمال.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق