الرأيمقالات الصحف

الثابت والمعلوم بالضرورة

لقد أصاب العديد من كلماتنا ومفاهيمُنا بؤس، كما أصاب حياتنا اليومية والاجتماعية والاقتصادية. فلم نعد كما كنا في مقدمة الأمم، ولم نعد صُناع حضارة. لقد أصاب الوهن كل مفاصل ومكونات الحياة. أصبحت بعض كلماتنا تضيق وتخرج من رحابة وسعة معانيها ومفاهيمها ودلالاتها إلى ضيق وقصور ودلالات تنم عن تقلص الفهم والادراك.

إن كلمة “ثابت” وكلمة “ضرورة” مثال للكلمات غير المنضبطة التي نُرددها ونسمعها ونبني عليها أحكامًا واستنتاجات غير منضبطة، كما أنها احكام واستنتاجات احادية الفكر، منغلقة التصور، ومحدود الرؤية.

وللأسف بعض رجال الدين يُكثر من استخدام هذه المصطلحات غير المنضبطة مما يؤدي لوقوع كثير من الناس في خطأ وتصور غير صحيح.

الضرورة اصطلاحا(البدهي، الذي لا يحتاج إلى نظر أو دليل). كقاعدة أن المادة تتمدد بالحرارة لا يصدق على كل المواد. هذا المفهوم الذي يعود إلى التصور الأرسطي (الفيلسوف اليوناني أرسطو) للقضية الكلية، ينطلق من منطق صوري  يهتم بصورة الفكرة وليس مضمونها وحقيقتها؛ فالموت مثلاً ليس هو الفناء بل مرحلة في رحلة الحياة. وهذا الاستدلال والاستخلاص يصدق في داخل نسقه ومنطقه الصوري.

أن ضبط مصطلحاتنا  على مستوى الصياغة ومستوى الدلالة والمعنى مهم جداً ويُساهم في إعادة صياغة و تشكيل الوعي الجمعي. كما أن تطوير مفاهيمنا يُخرجنا من أحادية النظرة والفكر الضيق وأصدار الأحكام على الغير، محكومين بأحادية مفاهيمنا ومصطلحاتنا وتصورنا الصوري للأشياء الذي يُخالف حقيقتها. فدلالة كلمة كافر تختلف كليًا عن ما توظف له هذه الكلمة في أدبياتنا اليومية قال تعالى  “كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ” ذات المدلول المخالف لمفاهيم البعض.

اغلال ذهنية تحكم فكرنا تغذيها هذه المفاهيم الضيقة التي نستخدمها لمصطلحات مثل الإلحاد والكافر والزنديق والشرك وغير ذلك من مصطلحات راح ضحيتها كثير من المفكرين والمبدعين مثل “ابن الراوندي” و “ابن العباس الإيرانشهرى” الذي قال عنه “أبو الريحان البيروني” أنه أفضل من كتب عن الديانات و العقائد القديمة.

إن أساس الدين الرحمة؛ قال تعالى: “وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ”. وليس فيه ما يُعطي لفرد التسلط على آخر. وهذا من رحمة ربنا على الناس. قال تعالى: “وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا ۗ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ۖ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ”. قال تعالى: “فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر”. وقال تعالى: “فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب”.

وشتان ما بين الدين والتدين؛ لأن التدين طبيعة بشرية. لهذا قد يكون التدين نعمة وفضل، وقد يكون نقمة وبلاء. فالتدين ظاهرة إنسانية وطبيعة بشرية تتلون بتلون وتشكل مفاهيم الإنسان وأخلاقه.

والخلاصة أننا نعيش في أغلال هذه المصطلحات والمفاهيم أحادية الفكر، التي تُشهر كسلاح في وجه المُخالف، ويتخندق وراءها الذين يعيشون في الماضي ويُريدون فرضه واستمرار قبضتهم على مُقدرات الأمة . لذا نحن مطالبون بإعادة ضبط هذه المفاهيم والمصطلحات، وعدم استخدامها سلاح ضد الرأي الآخر.

عكاظ

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق