الرأيكتاب أنحاء

رحلت أبي وما ارتوت قلوبنا من نهر عطائك

تمر بالانسان في دنياه الكثير من المنغصات والمحزنات التي يتجاوزها بصبر أحياناً، ويبتلع مرارتها ثم تزول في أحيان أخرى. ولكن فاجعة فقد الأب ليست من النوع الذي يمكن تحمله ويسهل نسيانه. توفي والدي يوم الأربعاء الموافق 10 ذي القعدة من عام 1441هـ وأشعل حزناً عميقاً من نوعٍ لم تعتاده النفس، وأطفأ سراجاً مضيئاً لحياتنا كان نورها حتى آخر يوم جلسنا معه فيه. ترك ألماً مصحوباً بغصة لايمكن تجرعها، ولحظات قاسية من الصعب التكيف معها. ليس هناك أقسى على النفس من فراق حبيبٍ كان جزءاً من الحياة اليومية لمن حوله. يشق على نفس اعتادت وجودك أيها الأب الحاني أن تصدق أنك رحلت عن هذه الدنيا رحيلاً أبدياً يحجب عنا رؤيتك ويمنعنا من تقبيل يديك والإنكفاء على رأسك. يلتاع القلب شوقاُ ويحترق الفؤاد ألما وتفيض العين دمعاً كلما تذكرت أني لن أستطيع مناداتك مجدداً بكلمة (أبي).

يا أيها الطاهر النقي، ألا تعلم أنك ودعتنا ونفوسنا لم ترتو بعد من عذب كلماتك وجمال نظراتك واشراقة وجهك. مات ذلك الملهم الذي كان مصدراً لكل مقومات العيش الجميل في هذه الحياة. لم تعرف السعادة طريقاً في حياتنا إلا بوجوده والأنس بمجالسته والاستمتاع بكلماته. فارق الدنيا بعد أن عاش فيها قنوعاً بما رزقه الله سبحانه. من سمع شكره للنعم ورضاه بالقسم ظنه من الأغنياء الذين أتتهم الدنيا راغمة بخيراتها وعظيم أموالها، وماهي إلا قناعة سكنت نفسه المطمئنة، فرأت الرزق الحلال كنزاً ثميناً ولو كان كفافاً. لم تزده قناعته بكسبه إلا رضاً وسعادة، كان جل رزقه من صنيع يده التي تعلمت حرفة عشقها طوال عمره وأخلص في أدائها. كان ناصحاً في عمله دقيقاً في تنفيذه متفانياً في إتقانه دونما طلب لشكر المخلوق بل مثوبة الخالق التي كانت دائماً نصب عينيه وأصل نيته، وكان هذا هو سر رضا من استأمنوه على ممتلكاتهم وكلفوه بأعمالهم، ولعل ذلك إحدى بشائر الخير له رحمه الله. قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير، ويحمده الناس عليه ؟ قال : تلك عاجل بشرى المؤمن . رواه مسلم.

 كم كان أبي بيكد ويتعب ويتصبب عرقاً، ليس رغبة في زيادة ربحه وتنمية ثروته بل بحثاً عن رزق حلال نقي من الشوائب يطعم به أهله ويعول به من هم تحت ولايته. لم أعرف في حياتي أنه كسب مالاً شك في حلة أو ارتاب من مصدره، بسبب ابتعاده عن كل ماهو مثير للشبهة او ما لم يتبين له نقاء أصله. لم يكن يشقى لإمتاع ذاته ورفاهية نفسه، بل جل همه راحتنا وتوفير العيش الرغيد لنا، وإعطاء كل واحد منا بغيته، فإن أحس منا رضاً بعطاءه زادت سعادته وانشرح صدره وابتهجت سريرته. يالها من تضحية نعجز أن نصل إليها أو مجارات تفاصيلها.

 تعلمنا منه الكثير من الخصال الحميدة التي يحبها الخالق وخلقه. كان حريصاً على غرس حب الصلاة والمحافظة عليها منذ الصغر، لم يثنه شقاء الأطفال وعنادهم وثقل نومهم عن ايقاظنا طوال سنين عمرنا لصلاة الفجر والحرص على متابعة أداءنا لها في المسجد. لم تنقطع هذه العادة حتى بعد أن كبرنا ووهبنا الله ذرية. أذكر دوماً مروره علي عندما ابيت في منزله وقد تزوجت ورزقت بأولاد لإيقاظي لصلاة الفجر، وتردده حتى يتأكد من استيقاظي. أعي كثيراً الآن قيمة تلك التربية وسر ذلك الحرص في واقعي الآن عندما أحاول غرس تلك القيم في أولادي كما بذرها في داخلي ذلك الأب المربي.

من عاشره عرف عنه صفاء القلب ونقاء السريرة وسلامة الصدر، فكان لايحب الدخول في المشاحنات وكثرة المنازعات. ولم يمنعه ذلك من ملاطفتنا بالكلمات العابرة والقفشات الطريفة والمزحات التي تعطر أجواءنا بالحب الذي نقرأه من نظرات عينية وبشاشة وجهه. ما أرق قلبك أيها الأب الراحل, فقد زرعت فينا حب الخير، وسماحة النفس، وصدق التواضع. لا أذكر أنك احتقرت أحداً ولو بنظرة أو أسأت لشخص ولو بكلمة. عندما ودعتنا كانت كلمات المعزين تسلية لحزننا وسكن لآلامنا وشهادة أهل الأرض على طيبة قلبك وحسن معشرك وكريم خلقك. ابتليت في آخر سنين عمرك بالمرض فصبرت وبالألم فاحتسبت، ورجاءنا أن ذلك الابتلاء خير ساقه الله إليك ليرفع به درجاتك. قال عليه الصلاة والسلام: “إن العبد إذا سبقت له من الله منـزلة لم يبلغها بعمله ، ابتلاه الله في جسده أو في ماله أو في ولده ، ثم صبّره على ذلك، حتى يبلغه المنـزلة التي سبقت له من الله تعالى “، وأن ماعانيت سبباً تزف به إلى الجنة كما قال صلى الله عليه وسلم ” يود أهل العافية يوم القيامة حين يعطى أهل البلاء الثواب، لو أن جلودهم كانت قرِّضت بالمقاريض “.

عزاؤنا أنك أقبلت على خير من سئل وأجود من أعطى وأكرم من عفا. فنسألك يا الله أن تيمن كتاب أبي، وتيسر حسابه، وتثقل بالحسنات ميزانه، وتثبت على الصراط أقدامه، وأن تجمعني به ووالدتي وأخواتي وأخواني وجميع المسلمين في جنات النعيم على سرر متقابلين.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق