الرأيكتاب أنحاء

تحويلُ متحفِ آياصوفيا فِعلٌ جسيم!

عبر الدهور و العصور دأبَ الناس في غابر الأمم على الغزو و الغزو المضاد.. ثم معاودة ذلك بين مدٍ و جزر! فتلك أيامٌ قد خلت و انتهت؛ ثـُم حلّ محلــَّها عصرُ المعاهدات الدولية الكونية المـُلزِمة.. فكان منها قيامُ منظمةِ الأمم المتحدة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية في 1945م. و تبعتها جملة من المنظمات الدولية المتفرعة او المكملة لها.

و إن اسلوب التعامل بين الدول و الأمم الذي كان نمطاََ مألوفاََ و متبادلاََ مثل التوسعات و الغزوات.  لم يعد مناسباََ، و لا يصلح الآن.

و كمثال على الغزوات الكبرى في الماضي بين الشرق و الغرب و الشمال و الجنوب.. كان غزو الأتراك للقسطنطينية، عاصمة أوربا الشرقية في بيزنطة؛ فأقام الأتراك فيها عاصمة لهم في عقر أوربا.

و ايا صوفيا -في الأساس- هي قضيةٌ تاريخية حضارية، ثقافية، و صارت عالمية.

 ثم قامَ الغربُ باقتحامٍ مقابلٍ لتركيا في عقر دارها كنتيجة للحرب العالمية الأولى (1912-1918م)، حين تضافرت 22 دولة أوروبية و معها تابعتان لبريطانيا: استراليا و نيوزلندا، فتمكنوا مجتمعين من اجتياح مدينة اسطنبول (العاصمة  في ذلك الحين).. و احتلوا معها معظم غرب تركيا؛ و كان ذلك من أجل أيا صوفيا و نحوها، و نتيجة لمعارك دامية استمرت لعدة شهور.

و لكن الاتراك حققوا انتصاراََ في معركة (جنّاق قلعة) Channak Qalaa، بعد ما فقدوا ربع مليون مقاتل. ثم قام الزعيم مصطفى كمال فحقق معجزة إعادة تجميع شتات الأتراك و ترتيب صفوفهم و تحرير ما أحتــُلّ من أراضيهم بما شمل كامل اسطنبول و حتى عقر الأراضي التركية الحالية شرق بحر مرمرة و غرب تركيا الحالية.

و بذا استرد مصطفى كمال كل ما تم احتلاله هناك، ثم أقام دولة تركيا الحديثة.. فاكتسب لقب اتاتورك (ابو الترك).

و كان تصنيف أياصوفيا كمتحف قراراََ قومياََ تركياََ ف

1935م، بعد أكثر من عقدٍ من الزمان بعد عَقد المعاهدة الدولية المُلزِمة التي عقدت في لوزان، سويسرا، في 1923م

أمّا محكية (اكتشاف) وثيقة وقفية؛ و (صفقة بيع و شراء) بين ‘الغازي’ محمد الفاتح و بين قساوسة آيا صوفيا، و أن تلك ‘الوثيقة’ عــُثرَ عليها مصادفةً و كانت غائبة بين بعض الملفات و الأضابير.. (و لحوالي 100 عام)؛ ثم أن تمّ (اكتشفها) فجأةََ في بعض الثنايا.. فهذا مدعاة لموفور الابتآس و لعميق الابتسام في آن.

و الوضع الحالي يعاني من قلة تماسك اركانه: الاقتصادية و السياسية و أيضاََ الدبلوماسية و العسكرية؛ فضلاََ عن عنتربات إسلاموية بالداخل و في الخارج! و كذلك بدء تحميس وطيس الانتخابات القادمة التي قد تنذرُ بزواله.

إنّ تعداد مدينة اسطنبول الكبرى يقاربُ سكان السعودية من المواطنين، (حوالي 20 مليون نسمة)؛ و بها 4876 مسجداً؛ و نسبة المسلمين فيها 99.5%، بينما تعداد مواطنيها المسيحيين حوالي 3٪ فغنيٌ عن القول بأن تركيا و اسطنبول ليستا بحاجة إلى مسجد.. غير أن تحركات الحكومة سياسية محضة. (كما و لديها مسجدٌ كبيرٌ باسم الرئيس هو قيد التشييد؛ بل هناك مسجدان ضخمان تذكاريان.. لم يتأتَ موعدٌ حتى لافتتاحهما بــَعدُ!

و كانت قد توقفتْ عبادة المسيحيين  في كنيسة آيا صوفيا.. لـحوالي 600 سنة نتيجة غزو محمد الفاتح للقسطنطينية (اسطنبول). و كان  اللقب الرسمي لمحمد الفاتح منذ ١٤٥٣م: ‘الغازي’.. هكذا.

و منذ 1453م إلى 1931م استمر استعمال آيا.صوفيا كمسجد؛ ثم توقّف ذلك لقرابة قرن من عام 1931م حتى يوم الجمعة، 10 من يوليو، 2020م.. مع صدور حكم المحكمة الإدارية العليا و توقيع الرئيس فرماناََ/مرسوماََ بذلك التحويل(من متحف وطني عالمي.. إلى مسجد.)

لكن القرار الحكومي الكمالي كان بمثابةِ الحياد حينما أصدر مصطفى كمال اتاتورك مرسوماََ حكومياََ لمعالجة وضع آيا.صوفيا بتدشينه متحفاََ.. بعد أن كان مسجداََ؛ و قبلها كان كاتدرائية؛ و قبلها كان (معبداََ لا-مسيحياََ)، حين كان إسمه: معبد الحكمة السامية او المقدسة، آيا.صوفيا Hagia Sophia؛ Sancta/Sacred/High Wisdom؛ فقام ذلك المعبد لعدة قرون (قبل) وصول المسيحية إلى أوربا، و قبل بناء الكنيسة المسيحية الأُرثُذكسيةالبيزنطية اليونانية الكبرى (الكاتِدرائية/الباسيليكا)، و ذلك في عهد الإمبراطور جُستِنيَن الأول، عند اكتمال تشييدها في 537م. و مضت لألف عام كمقر الكاتدرائية الباترياركية الأرثذُكسية اليونانية القومية الكبرى (بما يشبه -و يفوق- المقر المعاصر لبابا الكاثوليك في فاتيكان روما.)

و لقد تحوَّل مذهبُ هذه الكاتدرائية فقط مرة واحدة (عن المذهب الأرثُذكسي) و لمدة وجيزة لم تتجاوز 57 سنة، فمضت على المذهب الكاثوليكي حين قام حكام البندقية فغزوا القسطنطينية إبّانَ الحملة الصليبية الرابعة فحكموها بين 1204 و 1261م. و توفي زعيمُها البـُندقي الإيطالي (إِنريكو دوندولو)، و تم دفنه هناك في كاتدرائية آيا صوفيا.

فعند غزو الأتراك مدينة القسطنطينية بقيادة محمد الفاتح في 1453م، تم تحويل الكاتدرائية من كنيسة إلى مسجد (و أبيدَ كبيرُ مطارنتها و عمومُ قساوستها).

و كان ضِمنَ عملية التحويل أن تم تشييد اربع منارات على أطراف خارج المبنى؛ و في الداخل أضيف منبر و محراب. و تم طمس عموم الرموز المسيحية و تغطية بعضها (لكني في ذاتِ زيارة لمحتُ رسمة صغيرة تمثلُ كامل المسيح في صدر جدرِ القبة من جهة أعلي المحراب.

و استمر الوضع كمسجد جامع، فكان المسجدَ الأساسي و الرئيس في كامل اسطنبول و تركيا لأكثر من 163 عاماََ، أي حتى إتمام بناء (جامع السلطان أحمد) في 1616م؛ و صار مباشرة أمام آيا.صوفيا، على مسافة أقل من 200م تفصل بينهما حديقة جميلة، في وسطها نافورة فوّارة ملونة مثيرة.

و كان قد حمل أياصوفيا صفة المسجد لقرابة 500 عام حتى بُعيدَ الحرب العالمية1،

ثم قام مصطفى كمال اتاتورك أولاَََ بقفله لأربع سنوات بدءاََ بـــ1931م (للصيانة و نحوها.) ثم أعلنه في 1935م (متحفاََ) مفتوحاً لارتياد و زيارة الجميع، فصار مقصداََ للزوار, بل و المتعبدين الفرديين من كل نوع: مسلم و مسيحي.. ارثوذوكسي و كاثوليكي، و غيرهم.

و استمر آيا.صوفيا في وضعه كمتحف لقرابة قرن (96 عاماََ) حتى 2020م. و بلغ عدد مرتاديه اكثر من 3،5م زائراَ، فكان في الترتيب الثاني الأكثر شعبية في البلاد بعد متحف توب.كابـَه: Top KapIَ؛ بل كان متحفُ آيا.صوفيا الأعلى زيارةً في البلاد على الإطلاق في عاميْ 2015 و 2019م.

لكن الوصع الحالي:  (1) غرقانٌ اقتصادياََ؛ (2) محاطٌ داخلياََ؛ (3) فقدَ اسطنبول و العاصمة أنقرة في انتخاب مؤخراََ؛ (4) يستعدُ مناؤوه ليزيلونه؛ (5) و حتى الزعيم المعارض التركى الكردي دميرتاش خرج من المعتقل (بحكمٍ قضائي!). (6) و الحاكمُ مُنهكٌ عسكرياََ و دولياََ؛ 

كما إنه يودُّ التحللَ من اتفاقية لوزان (المُلزِمة لمدة قرنٍ، و موعد تمامها في ٢٠٢٣م؛

و هي الاتفاقبة التي فُرضت على تركيا  نتيجة الهزيمة في الحرب العالمية1، و هي الاتفاقية التي فكــَّكت الإمبراطورية العثمانية قلباََ و قالباََ؛ فكان ضِمنَ بنودها:-

* الغاء السلطنة؛

* نفي آخر سلطان؛

* جَعْل البسفور و الدردنيل (و بحر مرمرة بينهما) ممراََ عالمياََ مفتوحاََ (و بلا سلطة لتركيا عليه، مفارقةً بوضع قناة السويس!

* جعل الحُكم لا-لاهوتياََ؛

* إلغاء اسطنبول (الآستانة) كعاصمة، بل و كان قد تم احتلال الحلفاء الأوربيين للعاصمة اسطنبول و أجزاء كبيرة من غرب الاناضول؛

* تحويل موقع العاصمة إلى أقاصي الأناضول.. في أنقرة؛

و راح الزعيمُ مصطفى كمال اتاتورك، يعيدُ تأسيس الدولة التركية الحديثة من جديد و على انقاض هزائمها الكبرى في تلك الحرب العالمية.

و الآن تجري المحاولة لإعادة السلطنة.. و أن يتولاها و لو لفترة!

و قد كان قرار 10 من يوليو، 2020م قراراََ سياسياََ محضاََ و لو بدعم من حكم ‘قضائي؛ فتم به نقض/إلغاء منظومة كانت من ثوابت الدولة و دامت قرابة قرن جعلت من آيا.صوفيا مناراََ للتفاعل البشري و التسامح الإنساني و التعايش مع الجيران و بقية انحاء العالم.

و إشارة إلى الحكم القضائي إزاء موضوع اياصوفيا فقد كان تم عرضه على نفس المحكية في 2005م و تم حينها رفضُه. و الطريف ان تمّ التخيل و الإدعاء: بأنّ الغازي محمد الفاتح كان قد ‘اشترى’ -هكذا- الكاتدرائية من مطرانها الأكبر و قساوستها.. أثناء احتلال مدينة القسطنطبنية. (بينما الواقع أن تمّ اعتماد قاعدةـ’عُنوة (أو حَد) السيْف’.. التي كانت مألوفة بين مختلف الأمم، و دأبَ على ممارستها عمومُ الغُزاة في الأنحاء (و عبرَ العصور!)

و إنّ من الواضح ان مسألة تحويل أيا صوفيا من متحف إلى مسجد لم يكن لحاجة إلى مساجد.. ففي منطقة/حارة الفاتح ذاتها اكثرُ من عشرة مساجد و في مواقع متقاربة؛ و إنَّ اوّلها هو (جامع السلطان احمد) في الواجهة.. و كذلك مسجد مشهور بقع بينهما؛ فضلاََ عن أنّ مدينة اسطنبول تزخر بآلاف المساجد في كل الأنحاء.. بما لا يقل عن 4876 مسجداََ و جامعاََ.

فقرار التحويل في 10 من يوليو، 2020م، كان (فرماناَ) سياسياََ بحتاََ، و يرمي إلى رفع عدد من الأرصدة المنخفضة الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية.. المحلية و الخارجية.. و فيه دِثارٌ لعدةِ اخفاقاتٍ سياسية حزببة و دبلوماسيةٍ و عسكرية في أكثر من موضع.ةٍ و اتجاه.

كما و انه إخلالٌ واضح في التعامل مع العالم و بالذات مع المنظمات الأممية كاليونِسكو، و ذلك حين التنصل مثلاََ من بنود اتفاقية دولية مُلزِمة لتركيا منذ 1985م؛ تمّ بموجبه تصنيف  (متحف) آيا.صوفيا ضِمنَ صفوة قائمة (التراث العالمي) غيرِ القابلِ للمساس به.

ففيما وراء الحساسيات الدينية و القومية و التاريخانية.. فإنٌ الأقدامَ على تحويل هذا المتحف المَعلمِ الحضاري العظيم يجلبُ عداءً ليست تركيا بحاجة اليه، و لا تقوىَ عليه. و هنا يقبعُ خطأٌ جسيم!

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق