الرأيكتاب أنحاء

أئمة في المسجد النبوي الشريف

بنى الرسول عليه الصلاة والسلام مسجده الشريف بيديه الكريمتين الطاهرتين، ومعه أصحابه الكِرام رضي الله عنهم، وانطلقت من منبر هذا المسجد الشريف الدعوة المحمدية مُبدِدةً ظُلمات الجهل والشرك والظُلم، جامعةً الناس تحت راية لا إله إلا الله محمد رسول الله، ولازالت هذه الدعوة مستمرة بفضل الله تعالى إلى يوم الناس هذا، وبعد الرسول عليه الصلاة والسلام، اعتلى درجات منبره الخلفاء الراشدون الأربعة وبعض الصحابة رضي الله عنهم، ثم من بعدهم التابعين وأتباع التابعين رحمهم الله، ثم من بعدهم الأئمة والعلماء على مر العصور.

وفي العصر الحديث، تتابع الأئمة الكِرام على إمامة المسجد النبوي، وكان من أوائلهم الشيخ (صالح الزغيبي)  صاحب القراءة الحسنة والصوت الجميل، والذي عُرف بالبساطة والتواضع، فكان يقضي حوائجه من السوق بنفسه، ولا يقبل أن يحمل عنه أحد شيئاً من حاجاته، وكان إذا أتى لصلاة العصر لم يخرج حتى يصلّي العشاء، وإذا أتى لصلاة الفجر لا يخرج حتى تطلع الشمس، والمشهور عن الشيخ أنه لم يتخلّف عن صلاةٍ قط مدة وجوده بالمدينة إلا لمرض، ولم يخرج من المدينة إلا إلى الحج، وحجَّ مرةً واحدة.

وفي لقاء تلفزيوني سمعتُ الريّس(كامل نجدي) مؤذن المسجد النبوي الشريف لأكثر من سبعين عاماً يقول عن صلاة الاستسقاء خلف الشيخ (صالح الزغيبي): عندما ينتهي الشيخ من الصلاة ويبدأ بالخطبة تتجمّع السُحب الماطرة بأمر ربها وتبدأ بالهطول، واعتدنا على ذلك في كل صلاة استسقاء يصليها الشيخ، وأنا لا أذهب إلى صلاة الاستسقاء إلا ومعي (شمسيّة)، وإذا لم أجد (شمسيّة) أحجمت عن الذهاب، وهذا كله بقدرة الله عز وجلّ.

ومن طرائف ما يُروى عنه أن إمام الحرم المكي في وقته كان ربما أطلق على نفسه (إمام الحرمين)، فجاء إلى المدينة وأراد أن يُصلي إماماً بالمسجد النبوي ولو فريضة واحدة كي يبرر هذا الإطلاق، فلم يمكّنه الشيخ صالح من ذلك أبداً.

يقول الشيخ (عطية سالم) في كتابه (التراويح أكثر من ألف عام في مسجد النبي عليه السلام) حدثني الشيخ (صالح الزغيبي): أنه في بعض الأيام استيقظ لصلاة الفجر وكان من عادته أن يبكِّر قبل الوقت بساعة تقريباً، يتوضأ ويوتر ثم ينزل إلى الحرم، وبعد أن أتم وضوؤه وأراد لبس حذائه فإذا بعقرب تلدغه في قدمه. ولم يجد من يسعفه في ذلك الوقت ولم يستطع إخبار نائبه ليصلي عنه، فصبر وتجلّد ونزل إلى الحرم كعادته. وانتظر إلى الموعد المُحدد الذي ألف الناس إقامة الصلاة فيه وهو بعد الأذان بثلث ساعة ثم صلى بالناس، ولم يقدم الصلاة عن الموعد المحدد حرصاً على إدراك الناس للجماعة، وكل ذلك لم يعلم بحالته أحد حتى انتهى من صلاته، وعندئذ نفذ صبره وانهارت قواه، فلم يستطع النهوض، وأخبر بعض الحاضرين فقرأ عليه بعضهم ثم نُقل إلى بيته وأُسعِف هناك بمصل ضد العقرب. وفي أخريات حياته ناب عنه  فضيلة الشيخ (عبدالعزيز بن صالح) ثم لما ثقُلت عليه القراءة صار ينوب عنه في الجهرية وفي خطبة الجمعة، وهكذا حتى في التراويح والعشر الأواخر، حتى توفي رحمه الله.

قبل أيام كنت أقرأ في كتاب: (معالي الشيخ عبدالعزيز بن صالح آل صالح إمام المسجد النبوي كما عرفته) للشيخ الرحالة:(محمد بن ناصر العبودي)، فأضافت هذه القراءة مزيداً من النور والألوان، على ما حفظته الذاكرة من قصص سمعتها عن هذا العالم الجليل، وعن مشاهد شهدتها في طفولتي، من صلوات صليتها خلفه، منبهراً بصوته الندي الشجي، الذي لا تكلّف فيه ولا تصنّع، ترتيلٌ بلا تطويل، وتخفيفٌ بلا تحريف، لا تشبع منه الأذان، ولا تمل منه القلوب، ومن خُطب الجمعة التي حضرتها وكان يلقيها ارتجالاً، فامتازت بمعالجتها مشاكل المجتمع، مما يمر عليه من قضايا في المحكمة، أو مما يُحكى له من طلبة العلم الموثوقين،  وقد نشأ الشيخ يتيم الأبوين، وبسبب ضعف بصره الشديد كان كل تعليمه حفظاً وتلقياً، فهو لا يقرأ ولا يكتب، وامتدت إمامته للمسجد النبوي الشريف أربعة وأربعين عاماً، واستمر عمله في المحكمة قاضياً ورئيساً لها وللدوائر الشرعية قرابة الخمسين عاماً، وكانت له حلقة درس في المسجد النبوي بعد صلاة الفجر تكتظ بطلاب العلم، يُدرّس فيها التوحيد وعلم الفرائض، وله حلقة أخرى في داره بعد صلاة المغرب يُدرس فيها الفقه الحنبلي، وقد كان حبه للمدينة وأهلها ظاهراً في أفعاله قبل أقواله، وأهل المدينة كانوا يبادلونه الحب والاحترام، قال عنه الشيخ: (عبدالله البسام) في كتابه: (علماء نجد في ثمانية قرون): كان عالماً خطيباً، وكانت زعامته ووجاهته أظهرَ من علمه.

ومن بعد الشيخ (عبدالعزيز بن صالح) آلت إمامة الحرم لعدد من الأئمة الكرام وفقهم الله، أشهرهم الشيخ (علي الحذيفي)حفظه الله، والذي عُيّن إماماً وخطيباً في المسجد النبوي عام 1399هـ إلى وقتنا هذا، أمد الله في عمره، وبارك في عمله، وله حلقة في المسجد النبوي يُدرّس فيها الفقه والحديث، وقد عُيّن ابنه الشيخ (أحمد بن علي الحذيفي) إماماً في المسجد النبوي الشريف بعد إمامته مسجد قباء عدة سنوات.

ختاماً هذه جولة مُختصرة سريعة على أئمة أعلام كِرام، سجدت جباههم في محراب مسجد رسولنا عليه الصلاة والسلام، فاستضاؤوا بنوره، واهتدوا بهداه، كتب الله أجرهم، ورفع قدرهم في الدنيا والآخرة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق