الرأيكتاب أنحاء

‏الواقع هو ما يقع بداخلك

كم اشتكينا من أقدارنا ، ومن تقلب الأحوال و دوران الزمان علينا ، من ما خلفه لنا الماضي البعيد، نبكي على الأطلال و ننعي المواقف و الأحداث ، و نباشر في نسج أفكار تقيدنا و تبعثرنا.

لقد بين العلم الحديث بالأدلة و البراهين، على أن معاناة الإنسان تحدث بدرجة أولى بسبب أفكاره ، و الواقع الذي يعيش فيه و يعايشه، بكل مكوناته من أشخاص و ظروف و ماديات و مشاكل و تحديات يواجهها كل يوم و كل ساعة، هو تحصيل حاصل لما يقع بداخله.

تمر كل يوم على ذهن الإنسان ما لا نهاية من الأفكار، بعض الأفكار تنوره و ترمي به في بحر الإبداع، و أفكار أخرى تشوش على عقله و تجره نحو القلق و المعاناة و قد تدفع به أحيانا إلى الوسواس و التدمر من الواقع المعاش.

في الحقيقة، إن التفكير فيما نفكر فيه و كيف نفعل ذلك، يجعلنا نفكر في العمليات الفكرية و العناصر التي تتحكم في الوعي و كيف تتم عملية التفكير، و بدرجة أولى نفكر في المشاعر التي ترافق أفكارنا.

نتذكر الأفكار التي تزورنا في الصباح الباكر على مائدة الإفطار ، ننشرح لو تذكرنا العشاء الرومانسي الذي ينتظرنا مساء ذلك اليوم و يضيق صدرنا لو تذكرنا تكاليف المدرسة و أنشطة الأطفال و نحن في منتصف الشهر. فيظهر بصيص من الانشراح في الصدر كأندلس الغياب، فذلك اليوم هو مناسبة استثنائية ، و هو حفل الترقية. لا شيء يحدث قبل موعد العمل، لكننا نضبط الإيقاع ، و نمضي قدما.

لو فكرنا لوهلة في كل ما حدث و بشكل موضوعي، فما قمنا به هو تحديد مزاجنا           و مشاعرنا تجاه الوقت الآتي من خلال تصورنا لما قد يحدث خلال الساعات القادمة.و منه فالواقع الذي نعيشه هو تصوير لما يحدث بداخلنا.

سنبالغ لو أجزمنا بكون صحتنا البدنية و الروحية نتيجة لأفكارنا و توقعاتنا ، و لكن الطب الحديث برهن بالتجارب على أن بعض الأمراض تتعلق بالجسم و النفس معا، و أن التفكير مسئول -و إن لم يكن بشكل مباشر- على مزاجنا و منه على معلوماتنا و عنما يتفاقم الوضع يؤثر ذلك على صحتنا النفسية و الجسدية لا محالة.

لقول علي ابن أبي طالب: و تحسب أنك جرم صغير و فيك انطوى العالم الأكبر، إن الإنسان الذي خلقه الله من نطفة و أبدع  في صنعه و نفخ فيه من روحه ، و جعله يسع العالم بأكمله، و إن الموروث الذي علمنا أن نكون قدريين و أن مرضنا مكتوب و معاناتنا ضرورة و أن النعيم في الآخرة.

لم يخلق الله الإنسان ليشقى، بل سخر له من العقل و التدبر لإضفاء النعيم على حياته، و محاربة الفقر و تحقيق الغنى ، و محاربة الجهل و التجهيل و تحقيق العلم و التعليم ، و تعظيم الصحة و الحياة و بناء الجنة على الأرض، و تحقيق رفاهية و سعادة الإنسان.

تذكرهذه الجملة و ضعها حلقة في أدنك : واقعك هو ما يقع بداخلك.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق