الرأيكتاب أنحاء

جزء من حقيقة الحياة

في الغالب نسكن أرحام أمهاتنا تسعة أشهر معدودات، تحت رحمته تعالى نتكون بإبداع دقيق و رقة عالية داخل غشاء بديع الصنع ، نخرج إلى الحياة و نرمي صياحنا الأول فيها  بعد أشهر من الظلام المريح، و كأننا نناجي الرحيم الذي أتينا منه و إليه، فنعيش  في هذه الدنيا كبداية  ونطمح للآخرة كاستمرار للأولى.

رحلة الإنسان تبدأ منذ أن تطأ رجله . هذه الأرض ، بين الطفولة المشاكسة و أحداثها التي تتحكم في تكوين شخصية الفرد المستقبلي الذي سيكون عليه  منذ السنوات الخمس الأولى، و بين المراهقة و تدخل المنطق الذي يساعده على تحليله للأشياء بموضوعية أكثر، فتصبح رؤيته للأمور أكثر شمولية و دقة… و بعد مرور هذه المرحلة يطل على الشباب ، فتحضر القضايا الكبرى و التساؤلات الوجودية و الميتافيزيقية  و تفرض نفسها ، و تدفع الإنسان إلى التفكير في حقيقة وجوده، في أهدافه و حاجاته و رغباته ، كيف سيلبيها و ما السبيل للوصول إليها.

يكون الإنسان محظوظا عندما يسلك طريق العلم ، كبوابة تنفتح على الإجابات التي ستشفي غليله،و تعلمه كيف يقتضي عليه أن يتصرف أمام مجريات الأحداث ، فبعدها يبدأ في بث معارفه و همومه ، و فنونه و جنونه ، و يستوعب أن كل ما يمر به هو حاجة ضرورية    و ملحة، و أن كل أمر يعيشه من فرح أو حزن ، من سلم أو حرب ، من حب أو كره ، هو نفس من أنفاسه لو لم يمر بها لاختنق و عاد إلى العدم.

يستمر في النضج ، و تتكون لديه فلسفة وجودية خاصة مبنية على توحيد الله الواحد، فتوصله الرحلة إلى حقيقة مطلقة و واحدة… فالغموض الذي يظهر في بادئ الأمر يخلق لديه الفوضى و يزعزع مبادئه المسبقة ، و يدخل الفرد داخل دوامة من التساؤلات تحمل استنتاجا واحدا ألا و هو: الأمر لا يستحق كل ذلك العناء، و الكره و الحقد ، و أصوات البكاء و النعي ، و لا حتى عناء الفرار إلى مقابر التفكير في الأمور الدنيوية التافهة.

فيستقر الإنسان أو على الأقل يحاول الاستقرار و تثبيت المفاهيم الركيزة التي سينبني عليها ما تبقى من عمره،  ينسلخ في كل مرة من الماديات و يهتم أكثر بالجانب الروحاني ، و يختار البساطة عنوانا لحياته ، فيختزل هذه الأخيرة في التمتع بالتفاصيل و الوقوف عند كل محطة يفرضها عليه طول الرحلة.

عندما يلامس الإنسان هذه الحقيقة الباطنية التي تستوجب منه تأملا و تدبرا و بحثا معمقا للتسليم بها، سيعيش في زهد و سيتجاوز الأمور السطحية التي تفتن العقول  المجردة من الذوق العميق ، و سيعود طفلا من جديد نقيا و بريئا ، و إنسانا ناضجا يسافر في عروقه وميض من الضوء، و سيستشعر رضا الله كصديق قديم يتسلل إلى روحه  و يحضنها في كل مرة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق