الرأيكتاب أنحاء

الصدق والقيم الاجتماعية وأثره وبركته المجتمعية

قبل أيام كان اليوم العالمي للعمل الإنساني، فبالمناسبة هناك أعمال لا يمكن أن يُرى أثرها الا في بيئة اجتماعية، لهذا سمي الإنسان بالانسان لأنه يأنس إلى غيره، فهو مدني الطبع، والناس ضربوا في ذلك الأمثال والأشعار ولعل من أشهر الأمثال: (الطيور على أشباهها تقع، والقلوب شواهد، ويخلق من الشبه أربعين).

وسيد الأخلاق الإنسانية الصدق فهو من أقوى الطباع التي تطيل في علاقات وأعمار المجتمعات والشعوب، بل ويُمتّنها ويرسخ الثقة في جذورهم، تصل الى سابع جد، فهو عمدة القيم الاجتماعية، فالصدوق محبوب في السماء مقبول في الأرض.

فالصدق هو العقد المتين بين الانسان وربه وبين الانسان ونفسه وبين الانسان ومجتمعه، سواء كان مجتمعه الصغير، بدأ من الأسرة أو مجتمعه في المدنية أو في الدولة أو في العالم، فأهل الطيب يتكيفون مع بعضهم البعض، وبهذا التكيف تنتشر البركات في الآفاق ليشمل محيطهم ومن جاورهم وعاملهم، وأهل الكذب والخبث يتكيفون مع بعضهم البعض، وتتشابه قلوبهم ليتآكلوا فيما بينهم، فيفنيهم مكرهم وخياناتهم ونياتهم المتلونة والمتأولة في تحريف الكلم عن مواضعه، والكوارث والجوائح يقف ورائها الكذب، الذي لا علاج له إلا التباعد، فلو صدقوا لكان خيرا لهم.

ولتعظيم قيمة الصدق، تعالوا نتخيل أنفسنا أننا نعيش في وسط أهل أرض مغتصبة نمت ثقافة أهلها على الكذب، يولد صغيرهم ويشيب كبيرهم على هذه الثقافة واللعنة مطبوعة على قلوبهم بسببه، فهو النمط الاجتماعي فيما بينهم، فتتعجب أن تجد زوجين صادقين في هذا المحيط، وكذلك هو النمط السائد بين التجار في تعاملاتهم وتداولاتهم، فتستغرب أن تجد تاجرا صدوقا أو سلعة غير مغشوشة ولم يدفع الرشوة في تمريرها أو تهجيرها، وهكذا سيزيد استغرابك في وجود طبيب الذي يشخص مريضه دون أن يربط تشخيصه بوصفته الطبية وفيها قائمة منسدلة من الأدوية المتشابهة لا حاجة للمريض فيها، وإنما حمله الجشع المادي لتسويق منتجات شركته المتعامل معها، فإن سمح لك الحال أن تعيش بنفس النمط ستهلك هلاكهم، أو ستعيش في وسطهم بحسن النية لتجد نفسك طعاما لوحوشهم الجشعة.

فالكذب تكلفته على الفرد وعلى المجتمع جسيمة وأثره وخيم، وبالتأكيد فسليم الطبع لا يرضى هذا السلوك ولا يوصي عقبه به، أما من فسدت طباعه فتلك وصيته صاغر بعد صاغر كما ورثها هو كابر عن كابر.

أما الصدق فصفة إنسانية مشتركة بين الناس وإن اختلفت معتقداتهم، وهذه الصفة تقوى في مجتمع وتضعف في آخر بغض النظر عن ديانتهم، فمن آثار قوته، شيوع العدالة الاجتماعية بأنواعها والتي مآلها الاطمئنان المجتمعي، وكل خير تناله البشرية يقف ورائه الصدق، ومن آثار ضعفه، انتشار الفساد بأنواعه التي مآلها المحق وعدم الاطمئنان المجتمعي، بظهور مظاهر اجتماعية تهدد كيانها المجتمعي.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق