الرأيكتاب أنحاء

ديمقراطية كورونا

كانت الحياة اعتيادية و نوعا ما يشوبها الملل بين العمل و الدراسة و التخطيط الأسبوعي و السنوي. نتأمل قدوم الأعياد الوطنية و الأخرى الدينية و أعياد الميلاد، لاغتنام فرص الاحتفال و كسر روتين الحياة. حتى مخططاتنا المستقبلية كانت موجهة على أساس استقرار الأحداث من حولنا، و لم نتخيل أبدا أن كائنا متناهيا في الصغر سيقلب الموازين و سيجعلنا نفكر في تغيير كل شيء.

على حين غرة استيقظ العالم على خبر وباء جديد، بدأ من الصين ليكتسح العالم بأكمله في شهور معدودة. لم يسعنا الوقت لاستيعاب ما يحدث، و بدأت الدول تعلن عن غلق الحدود و بعدها كل واحدة نهجت أسلوبها الخاص للتعامل مع هذا الفيروس المستجد، في جو من الحماس و الترقب و التساؤلات عن ما الذي سيحدث فيما بعد.

من المستحيل ألا تكون هذه الجائحة قد تركت أثرها على كل واحد منا، تحت وطأة فيروس متوج بتاج الانتصار في زمن العلم و العولمة  و أحدث الأجهزة و المختبرات. فيروس أسقط الدول المتقدمة التي تمتلك أحدث التكنولوجيات و كبريات المستشفيات ، حتى أنه لم يستثن تلك كانت تنادي بحق الإنسان في الحياة و وجدت نفسها في نهاية المطاف مجبرة أن  تنتقي الشاب على حساب العجوز بدعوى أن هذا الأخير عاش بما فيه الكفاية و لا بأس أن تضحي به، و لم تعد أمريكا قائدة للعالم  و أشاح كورونا عن عيبها و كشف ما كان مسكوتا عنه من قبل.

لن يختلف اثنان في أن هذه الجائحة أعادت ترتيب بعض الأمور عجزنا عن ترتيبها من قبل، و أذاقت كل واحد منا جرعة من عذابات الحجر، و كشفت فيه الجغرافية عن أنواع من الناس: الحذر و المتوجس و المرعوب ، و الجاهل الذي ينفي وجود كل شيء ، و العاقل الثابت الذي يحكمه التعقل و المنطق.

أي نوع من الناس كنت عليه، لابد و أنك استشعرت الضعف في بعض اللحظات، و وقفت عاجزا أمام المجهول الذي يتربص بك ، و وقفت أمام اختيارات عمياء و تحت قوة الفيروس الذي منعك من القيام بما تريد وقتما تريد.

غير أن هذا الفيروس كان عادلا ، و لم يفرق في الجغرافية ، لم يفرق بين الناس و العقائد و الديانات و الأجناس ، لم يفرق بين الغني و الفقير ، بل نزل على العالمين ليأخذ الحر و الثابت فقط من هؤلاء عبرا و دروسا لن ينساها التاريخ.

وفي الختام،  لعل أهم درس تعلمناه ،هو واجب الابتعاد عن الأشياء التافهة التي لا تضفي المعاني الراقية على حياتنا و أن أحلامنا لا تقبل التأجيل لأن الحياة قصيرة و لا تقبل التسويف.

و بعد،  أودعكم وداع درويش: نحن أحياء و باقون وللحلم  بقية، و لنتذكر أن أشد اللحظات حلكة هي التي تسبق طلوع الفجر بدقائق معدودات.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق