الرأيكتاب أنحاء

وماذا بعد يا كوفيد 19

أنطلق المسبار لاكتشاف المريخ ، عبر فضاء مليء بالأقمار الصناعية التي تتجسس عليك وتحصي أنفاسك وبين يديك جهاز يراقب حركاتك وسكناتك ويرسل تقارير عن ضغطك ومستوى السكر في دمك ومزاجك ورائحة عطر رفيقتك وتطبيقات لا تحصى تقرب لك البعيد وتخدعك وتسخر منك فتشتري أدوية لا تتناولها وأغذية لا تأكلها وملابس لا ترتديها ، كاميرات تتابعك وتعرف أين أنت ولماذا أنت هناك ومتى تحركت وأين غرفة نومك ، ولون الملابس الداخلية لصديقتك ،صواريخ تنطلق لتدمر وطائرات بدون طيار وبدون صوت تقضي على أحلامك ، لم تترك حيوان أو حشرة على وجه الأرض لم تصورها وهي تأكل وتتوالد وتتقاتل، غصت في أعماق البحار تفتش عن سمكة صغيرة تريد أن تعيش بهدوء ، ونبته في أعماق المحيط لعلك تجد فيها رائحة تغطي فيها رائحتك ، وفجأة وبلا سابق إنذار خرج عليك شيء أرعبك وأوقف حياتك وعطل اقتصادك وأفقدك وظيفتك وأغلق مدارسك ومعابدك وهدد منظوماتك الصحية وفرض عليك التباعد ودمر كل يقينيات ، أصاب حتى كتابة هذه السطور ٣٧ مليون وقتل مليون إنسان وقد تكون في صالة الانتظار استعداداً لمقابلة كورونا وأنت صامد تنتظر اللقاح لعله يحضره المسبار من على ظهر المريخ أو تلتحق بالرفيق الأعلى عاجزاً عن فعل أي شيء ، تتخبط في أمواج عاتية لا تعرف لها نهاية ، لم تبق بقعة على وجه الأرض لم يصلها الوباء لعلك تجد فيها ملجأً ، هذا الإنسان المتفوق عاد لحجمه الطبيعي وانتصرت عليه القطط والكلاب التي تسرح وتمرح في الشوارع لم تأبه للمرض ولم تلبس الكمامات ولم يفرض عليها التباعد أو منعت من التزاوج ولم تغتسل بالصابون بعد كل وجبة وكل ملامسة ، ولا تزال مغرورًا متكبرًا متغطرساً متعجرفاً، يسحقك هذا الفيروس وأنت تحاول اكتشاف المريخ وتتجسس على الإنسان وتصور أقدام رفيقته وتمسحه بالمطهر لإزالة رائحة إبطه وتطلب منه تقليم أظافره وتمنعه من لمس عينه أو أذنه أو أن يتسلى بتنظيف أنفه في وقت فراغه ، جعلك هذا البعبع لا تجرؤ على الخروج من منزلك وقد يحاصرك في غرفتك فأنت ممنوع من الاقتراب من أحبابك وتناول الطعام مع رفقائك أو تقبيل أبنائك، جعلك هذا المرعب الشرس تشك في أطرافك وترتاب في أحبابك ، أعاد كوفيد 19 في اختبار بسيط الإنسان إلى حجمه الطبيعي وأعاد لسانه إلى فمه وسحق غروره وأقنعه أن كل تطوره عبارة عن قشور وأوهام انهارت أمام هذا الديناصور الذي لا يرى بالعين المجردة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق