الرأيكتاب أنحاء

ضريبة التفاصيل

تراقب حيثيات القصة… تلاحظ كل ما يمر أمام عينيك… نظرتك ثاقبة اتجاه كل شيء… حساسيتك اتجاه التفاصيل مفرطة نوعا ما ، و بحدسك المتنبه على الدوام تلاحظ كل صغيرة و كبيرة تمر على حواسك الخمس.

لا طالما حذروك من موهبتك هذه ، المقرونة بك منذ ولادتك… و رغم محاولاتك المتتالية لم تسطع التخلص من مراقبتك للتفاصيل التي تجعل آلتك الدماغية في عمل مستمر و دائم.

لا شك أن الحكاية ليست وليدة صدفة أو مهارة اخترتها و طورت من قدرتها ، بل ذلك يعود لتركيبة شخصيتك بالأساس ، التي جعلت منك في الغالب شخصا انطوائيا ، ينزوي في مقعده الخلفي و يراقب كل ما يدور من حوله. ولعل هذا الجانب من الشخصية هو الذي فتح لك المجال في أن تصبح أعقل متناقض و أحن قاس على نفسك و على الآخرين.

أن تكون انطوائيا معناه أنك لن تسكب رأيك كالشراب المالح على مسامع الناس ، بل تحتاج أن تدرس القصة من كل جوانبها و أن تبحث عن أقرب رأي محايد بشكل لا يؤثر على موضوعيتك…و كثيرا ما  تبدو متعجرفا و متكبرا بالنسبة للعديد من الناس ، عندما تبقى صامتا و محتفظا برأيك الذي لم تخضعه بعد إلى التجارب السريرية داخل مختبرك… و ربما يعتبرك آخرون صاحب شخصية معقدة أو إنسان يعاني من عقد نفسية ، بمجرد أنك انسحبت قبل أن تغادر العامة ذلك التجمع الذي ذهبت إليه إجباريا من الأساس. لأنك لا تحبذ الهرج و المرج و الأخذ و العطاء في جميع المواضيع مع جميع الفئات من الناس.

و بعد، صحيح أن الدخول في غمار التفاصيل أمر متعب و شاق ، لكنه يعطي للإنسان نظرة تميزه عن غيره من الناس ، وغالبا ما يصبح هذا الأخير  صاحب الشورى و الاستشارة ، لأن انتباهه للتفاصيل يعطيه مصداقية أكبر ، و سعيه للموضوعية و الحياد يجعل منه مستشارا جيدا ، و ذلك بفضل رؤيته الواسعة اتجاه الأمور و دراسته لها من نواحي مختلفة و متعددة.

بين الغوص في أعماق النفس و اليقظة المستمرة ، يتأرجح الشخص الانطوائي بين حساسيته المفرطة و نظرة الآخرين… فإذا نطق اعتبروه فيلسوفا قادما من التاريخ الإغريقي أو خبيرا يفهم في كل شيء ، و إذا احتفظ بكلامه لنفسه اعتبروه متكبرا أو غريبا دو شخصية معقدة… و في الحقيقة ما هو إلا إنسان منغمس في التفاصيل و يدفع في كل ثانية ضريبة ما تلتقطه حواسه. 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق