الرأيكتاب أنحاء

رحل معلمي وأستاذي.. سعيد القاضي

تربينا على قاعدة “من علمني حرفا كنت له عبدا” وتشربناها بمفهومها الراقي ، الذي يغرس في النفوس فن الرقي في التعامل والإحترام ، ويعيش الأنسان منا حتى يوم وفاته وهو معها يتعلم ، ويجد فيمن حوله مناهل يرتوي منها معرفيا ، ومثلما هو ينهل من معين معارف أولئك لاشك أن هنالك لاحقا من ينهل من معارفه وخبراته ، وهكذا في العلم والعمل يبقى : الناس للناس من بدو وحاضرة .. بعض لبعض وإن لم يشعروا خدم.

هكذا نحن في معترك الحياة نخدّم بشرف على بعض تلقائيا في شتى المناحي ، وهذه طبيعة البشر ،  لكن يبقى دور المعلم في مراحل التعليم العام الأكثر تأثيرا التربوي والتعليمي بعد تأثير الأسرة التربوي ، ويختلف تأثير المعلم على التلميذ او الطالب من معلم إلى آخر وفي مختلف المراحل الثلاث ، لأن التعليم فيما بعد يعتمد بعد الله على نتاج مخرجات التعليم العام ( التأسيس ) ويكون الطلب في الغالب عندها قادر على بناء شخصيته وتوجه تحصيله العلمي.

هذا المقدمة المتواضعة المبسطة وجدتها تمهيدا للحديث عن تأثري الشخصي بمعلمين كثر خلال مراحل التعليم العام ، لكن يبقى هنالك معلم أو أكثر له تأثير متلازم لاينسى في حياتي.

ففي المرحلة الابتدائية وبالصفوف الأولى كان للأستاذ / محمد بن علي بن سعود متعه الله بالصحة والعافية في المدرسة الفيصلية في بيشه تأثير إيجابي لن أنساه في مقتبل المراحل الدراسية والذي أزال بطريقتة وتعامله واسلوبه شيئا من خوف التلميذ من المعلم وأعطاني مساحة من التفاؤل والأمل شعرت فيما بعد بمعطياتها.

ثم أعقبه في المرحلة المتوسطة والثانوية الأستاذ / شبيلي مجدوع القرني اسأل الله له دوام التوفيق والسداد ، حيث كان قريبا من طلابه بإبتسامته المشهورة وطريقته المميزة في الدرس وتفاعله الإيجابي المحبب.

ولكن يبقى الأستاذ / سعيد حسين القاضي القادم من قاهرة المعز الأكثر تأثيرا في المرحلة المتوسطة والثانوية ، لكونه جاء محملا بكنوز معرفية وتجارب وخبارات بحجم تاريخ مصر وعطاء النيل وشموخ الاهرامات ومعارف الأزهر وتراث الكنانه ، ووظف ذلك كمواد نهلنا من معينها على هامش (شرح إبن عقيل لألفية إبن مالك ) والتي جاءت على شكل مواد دراسية ومناشط فكرية ومعارف ثقافية ، نثرا وشعر وقصة وغزارة معارفه وحسن تعامله ، حببتنا في إسلوبه وشوقتنا لدروسه ، فكنا نقبل بنهم على درسه لما نلحظه من حرصه ، وإجتهاده في توصيل العلوم إلى أذهان طلابه بسلاسة وقبول ، لم يكن الفصل مسرحه فقط بل في المناشط الامنهجيه كان الأكثر نشاط وتميزا وعطاء ، بل تجاوز نثر إبداعه خارج أسوار المعهد ، فكان لمعالم بيشة ورموزها ومرابعها مساحة كبيره من شعره المميز ، وكان للمملكة وقادتها ومواقفها آنذاك سجل شعري حافل.

حتى بعد أن عاد إلى مصر ورغم إنشغاله بإدارة العلاقات العامة بمحافظة المنوفية ورئاسة تحرير صحيفة المنوفيه ، كان يتوج تواصله مع المملكة شعبا وقيادة من خلال إبداعه الشعري الراقي  بلوحات شعرية في غاية الجمال تنم عن طيب المعدن و قيمة الوفاء وقامة الإنسان الوفي المعطاء.

كنت على تواصل معه طيلة الأربعين عاما التي أعقبت عودته إلى مصر ، وقد أكرمني الله بزيارته في مقر ميلاده وحياته  شبين الكوم بمحافظة المنوفية ، ثلاث مرات الأولى بصحبة الزميل والصديق : عبدالعزيز الهويشل متعه الله بالصحة ووفقه لكل خير ، ثم زيارة بصحبة العائلة ثم زيارة مفردة ، وكان كما عهدته ذلك المعلم الإنسان الصديق الوفي ، الذي لاتمل من الجلوس معه ، حتى أنه كان إذا علم بوجودي بالقاهرة يشد الرحال وأجده يزورني ويشدد على أن أزوره ليقوم بواجب الضيافة بإصرار ، وكنت على تواصل هاتفي بين فترة وأخرى.

بالأمس وفي يوم الخميس ـ 12/11/2020م رحل معلمي وإستاذي أبو محمد . سعيد القاضي رحمه الله رحمة الأبرار وجعل قبره روضة من رياض الجنة والفردوس الأعلى مثواه ، بعد حياة مليئة بالثراء الخلقي والمعرفي والعملي ومسيرة حافلة بالعطاء ، أجدني عاجزا عن وصفها ورثائه بما يليق بالقيمة والمقام فهذا لكن جهد التلميذ الذي صدم بوفاة قدوته ومعلمه ، وعزائي أنه رحل إلى رحاب رب كريم غفور رحيم ، وخلف لنا الشقيق محمد الإبن البار الذي نرى فيه صورة وسيرة ابيه حفظه الله .. آمين 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق