الرأيكتاب أنحاء

تقديس المشاعر والحياة الزوجية

هناك ترسانة من النصائح الموجهة لفتيات و شباب اليوم كلها تدور في فلك واحد :

(ثق/ي في مشاعرك دومًا فهي الحكم في كل مواقف الحياة)

تزوجي من تحبين .. لا تعمل في وظيفة لا تشعر فيها بالراحة .. اقطعي أي علاقة إنسانية تشعرين أنها تشكل عبئًا عليك .. أولى ما عليك صحتك النفسية فهي أهم من أي شيء آخر.

ولعل بعض دهاة المنظّرين الغربيين قد أدركوا هذا المعنى الكامن في أن القدرة على إدارة دفة التغيير و تحريك الجماهير و قيادة الشعوب تتمثل في مخاطبة المشاعر و التحدث بلغة العواطف  التي تفهمها القلوب قبل العقول ..فنقلوا هذا التصور الفلسفي إلى عالم السياسة و القيادة و الاقتصاد حتى صارت الإعلانات التجارية تخاطب غرائز المستهلك و تعبث على أوتار مشاعره اللاواعية ..ثم نجح هذا المبدأ نجاحا غير مسبوق على كافة الأصعدة فصارت ثقافتنا المعاصرة تعظّم من قدر المشاعر تعظيما يندر أن يكون له نظير في التاريخ الإنساني.

فهل مشاعرنا جديرة بالثقة دومًا؟

الجواب : أن مشاعرنا قد تنبهنا إلى حقائق لم يلتفت إليها  عقلنا  الواعي بالفعل ولكنها أحيانا قد تقودنا إلا الضلال.

لقد لوحظ في جيل الألفية الجديدة تقديس المشاعر و تضخيم دورها القيادي في التحكم في قراراتهم اليومية و علاقاتهم  و مواقفهم و مشكلاتهم الحياتية.

وفي ظل الثقافة الاستهلاكية السائدة اليوم و تحقيق الرغبات الفورية صار هناك تفضيلا واضحا للمشاعر القوية الثائرة على حساب المشاعر الهادئة و لربما كان لإيقاع الحياة العصرية- المتسارع إلى حد يكاد يكون غير متناهٍ -دورٌ كبير في ذلك التفضيل.

يتضح هذا الأمر بجلاء في  أنشطتنا  اليومية ذات الطابع  الحماسي الحاد ، و العروض المبهرة و السباقات الخطيرةو الأنشطة الصاخبة.

حتى غدونا في حالة إلهاب مشاعري دائم بغض النظر عن نوع هذه المشاعر سواء كانت : حبا ، بغضا، عتابا ، اهتماما ، إعجابا ، أو نقدا لاذعا .. فلابأس ، المهم أن تبقى الروح ملتهبة بانتظار التفاعل من الطرف الآخر المستقبل سواء كان جمهورا أو أفرادا.

إن هذا الشره  العاطفي الجياح  لا يؤدي إلى تعميق الشعور بالنرجسية و تغذية التمركز الذاتي فحسب  بل يتعداها  إلى  إتلاف  العلاقات الإنسانية  ومن ذلك انهيار العلاقات الزوجية و غياب أبرز قيم الزواج الأصيلة مثل: الوفاء والإخلاص و التضحية.

ومن  الصور المعاصرة  للتطرف  في تعظيم المشاعر و التمحور حولها  : تصور الزواج بشعور واحد هو الحب فقط و تقديمه على سائر المشاعر و القيم الأخرى التي يحملها هذا الرباط القدسي بين الجنسين مما زاد في هشاشة العلاقات الزوجية و جعلها قصيرة الأمد لا تصلح لبناء بيت مستقر على دعائم قوية كما كانت بيوتنا في السابق.

وقد أشار  بعض الأخصائيين النفسيين إلى أن الحب الرومانسي كما تصوره اليوم الأفلام و المسلسلات و مشاهير قنوات التواصل الاجتماعي ليس سوى ( فانتازيا) مفتعلة .. و أن عاطفة الحب هي واحدة من أسباب كثيرة لنجاح الزيجات ، بينما ليس بالضرورة أن يكون غياب الحب في البيت هو سبب رئيس للطلاق بل هناك عوامل أخرى مثل : فساد السلوك و ضعف الشعور بالمسؤولية و الخيانة و غيرها مما لا يتعلق بالحب وحده.

فكيف يمكننا تحقيق الاستقرار النفسي ونحن نبحث  دون  توقف عن المواقف المولدة للأحاسيس القوية؟

وكيف يمكن لجيل الألفية التخلي عن تحكيم المشاعر في حياته و تسييدها؟

هناك إعتبارات عملية كثيرة لاختيار شريك الحياة بعيدا عن الانفعالات  اللحظية

مثل :‏الثقة والأمانة ،التقارب الفكري، والقبول المتبادل ،والجدية في العمل، وتحمل المسؤولية، و الاستعداد للتضحية و تقديم بعض التنازلات من أجل الإبقاء على الكيان الأسري.

إن هذه الاعتبارات لا تنتج بالضرورة بيتا سعيدا و لكنها على الأقل ترسم خارطة طريق إلى بيت مستقر و آمن ينمو الحب شيئا فشيئا بين أركانه بشكل صحي.

و في التعاطي مع فكرة الزواج ينبغي أن لا يكون تقديس المشاعر حاضرا فكثير من الشكاوى الزوجية ‏تدور حول عدم الإحساس بالحب الكافي تجاه الطرف الآخر أو  خفوت وهج الحب الأول ،نعم الحب والمودة مهمة للحياة الزوجية لكن لا ينبغي تهويل القدر الكمالي منها.

وقد روي  في  الأثر  أن الحب وحده لا تقام عليه البيوت بالفعل فقد روي أن  ابن  أبي عزرة الدؤلي اشتكى إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن امرأته كانت تبغضه فسألها عمر: ( أنت التي تحدثين زوجك أنك تبغضينه؟) قالت: ( يا أمير المؤمنين إنه أنشدني بالله فتحرجت أن أكذب ،‏أفأكذب على زوجي يا أمير المؤمنين؟) فقال عمر :(نعم  فاكذبي فإن كانت إحداكن لا تحب أحدا فلا تحدثه بذلك ،فإن أقل البيوت الذي يبنى على الحب ولكن الناس ‫يتعاشرون  بالإسلام والإحسان) و  في الحديث :(لا يصلُحُ الكذبُ إلا في ثلاثةٍ : الرجلُ يكذِبُ في الحربِ ؛ والحربُ خُدعةٌ ، والرجلُ يَكذبَ بين الرجلينِ ليُصلِحَ بينهما ، والرجلُ يَكذِبُ على امرأَتهِ ليُرضِيها) ابن حجر العسقلاني.

وفي الحديث الآخر في صحيح مسلم  🙁 لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقًا رضي منها آخر )فالعلاقة الزوجية لابد أن تبنى على جسور وافرة من التغاضي و التغافل و التسامح دون تطلّب للمثالية الزائدة أو الكماليات الباذخة  في العواطف و الأحاسيس ..

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق