الرأيكتاب أنحاء

الكيان الأقوى على وجه الأرض

يلعب الإعلام دوراً كبيراً في التأثير على الجمهور، فمن يمتلك وسائل الإعلام يمتلك القدرة على تشكيل وبلورة الرأي العام والتحكم في توجهات ورغبات الجمهور عبر مختلف العصور، فوسائل الإعلام لديها قدرة على إعادة تشكيل النمط الذي تكون عليه القضايا المختلفة وتطبيع بعض القضايا وتغيير الاتجاهات فيها والآراء لدى الجمهور لامتلاكها مختلف الأدوات المؤثرة والتي تؤهلها لذلك.

وقد حاول علماء الاتصال رصد هذا التأثير على مدار العصور بداية من ” نظرية الطلقة السحرية” أو كما يطلق عليها الحقنة تحت الجلد والتي كرست لفكرة التأثير المباشر لوسائل الإعلام على الجماهير، وقدرتها الكبيرة على تحقيق الأهداف المرجوة منها، وربما كان المثال الأبرز على ذلك هي الدعاية النازية التي اعتمدت على وسائل الإعلام في الدعاية الحربية وفي رسم صورة الجندي النازي القوي، كذلك اعتمدت على الحرب النفسية للسيطرة على الأعداء.

لقد عرفت الدعاية النازية دور الإعلام في الحرب لذلك انشأت إذاعة في كل بلد جديدة سيطرت عليها وقامت بالتشويش على الإعلام المعادي حفاظاً على نفسية الشعب الألماني ونشوته بالانتصار، ليس الحرب العالمية الأولى فقط التي اثبتت لنا أن الإعلام قادر على أن تكون له الكفة الرابحة ولكن الأمر نفسه استخدم في العصر الحديث سواء في أحداث 11 سبتمبر أو  الحرب الامريكية على العراق التي لعب فيها التلفزيون والسينما دور كبير لرسم صورة الجندي الامريكي الذي لا يهزم، وفي المقابل تجريم النظام العراقي الذي قدمه الإعلام بصفة الديكتاتورية وألبسه العديد من الصفات السلبية مع التأكيد أنه لا يستطيع أحد انكار ما كان يقوم به على الشعب العراقي آنذاك من ظلم وقهر.

وقد تنوعت النظريات التي رصدت تأثير وسائل الإعلام على الجماهير بما في ذلك نظرية الاستخدامات والاشباعات والتعرض الانتقائي لوسائل الإعلام وغيرها.

وحيث أن وسائل الإعلام ترسم الصورة الذهنية للدول والأشخاص والقضايا وتجعل الجمهور يتبني رأي معين يتفق أو يختلف مع الآخر، وهذا ما أثبته الزمن وصولاً لما سمي بثورات الربيع العربي والتي كانت وسائل التواصل الاجتماعي صاحبة الدور الرئيسي فيها، فتلاعبت تارة بالأحداث ووجهت الجماهير بطريقة او بأخرى وشكلت الرأي العام ضد أو مع القضايا التي صاحبت هذه الأحداث، وكما قال علي عزت بيجوفتش رحمه الله ” إن ما يسمى وسائل الإعلام الجماهرية هي في الحقيقة وسائل للتلاعب في الجماهير”.

دوما يستطيع الإعلام بمختلف وسائله التقليدية سواء الصحافة أو التلفزيون أو الحديثة كوسائل التواصل الاجتماعي التأثير على الجماهير وتسخيرها لخدمة هدف معين ولخدمة قضية معينة، وأصبح العلاقة والتأثير متبادلة بينهما، ودارت السجالات والنقاشات المختلفة حول أيهما يؤثر على الآخر.

وأرى أن وسائل الإعلام التقليدية ما زالت تملك السيطرة والهيمنة في خدمة أهداف من يمتلكها على مدار العصور، وهناك عوامل كثيرة تؤثر على مقدار هذه السيطرة لكنها لا تقلل منها، فقديماً على سبيل المثال كان هناك المتلقي السلبي الذي يتلقى المعلومة من وسائل الإعلام وربما يصدق كل ما ورد فيها دون أن يتفاعل معها، لكن الآن وبفضل التطور التكنولوجي أصبح لدينا المتلقي الايجابي وربما المواطن الصحفي، الذي ينقل الحدث في الحال عبر وسائل التواصل الاجتماعي دون انتظار لوسائل الإعلام التقليدية وإن كنت أرى أن مساحة الحرية أصبحت أكبر لوسائل الاعلام التقليدي من ذي قبل وبفضل هذا التطور التكنولوجي السريع.

حيث أصبح الآن الحصول على المعلومة أسرع من ذي قبل وأصبحت وسائل الإعلام كثيرة ومتنوعة، ولكن ما زالت نظريات التحكم وتوجيه الجماهير والرأي العام تطبق على أرض الواقع حتى وقتنا الحاضر، بل أصبحت الرسائل الموجهة أكثر دقة بعد ما أصبحت دراسة الجماهير أسهل من ذي قبل على جميع المستويات النفسية أو الثقافية والاجتماعية أو السلوكية، لخدمة جوانب مثل الجانب السياسي والاقتصادي سواءاً للدول أو المنظمات.

وتبقى “وسائل الإعلام هي الكيان الأقوى على وجه الأرض.. فلديهم القدرة على جعل المذنب بريء وجعل البريء مذنباً.. وهذه هي القوة… لأنها تتحكم في عقول الجماهير” كما قال مالكوم اكس.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق