الرأيكتاب أنحاء

الحصانة المعنوية للقضاة السعوديين

كتب علي بن أبي طالب  كرم  وجهه    في  رسالته  لمالك  الأشتر  رضي  الله  عنه حين  ولاه  مصر: ((ثم أَكْثِر مِن تعاهد قضاتك، وأفسح لهم من البذل ما يزيل علتهم وتقل معه حاجتهم إلى الناس ، أعطهم من المنزلة لديك ما لا يطمع فيه غيرهم من خاصتك ، ليأمن بذلك اغتيال الرجال لهم  عندك، فانظر بذلك نظراً بليغاً….)) .

يوصي حاكم مصر الجديد بالقضاة  ويفرض عليه  فرضا  : أن  يديم  عليهم رعايته  بتحسس العوز ، وكفاية الحاجة ، ورفع المنزلة ، و أن يفسح الطريق  للعطايا السخية حتى  يستغني القاضي  عن الحاجة إلى أحد من الناس في شأن من شؤونه كلها ، ولتكن  هذه  العطايا  بالمقدار الذي يصاب الناس من حوله باليأس من الطمع  فيه لقلة ،أو ضعف  ، أو حاجة  ملحة ..! .

وأما  التقدير  المعنوي  فهي  المنزلة  التي  لن يمني  أحد  من  رجال  الدولة  نفسه  بها  ،  لعظيم  رفعتها  ، وسمو شأنها  ، وأختصاصها  بالقضاة  دون غيرهم  فلا  يٌقدم  عليهم  غيرهم  من  الوزراء  والأمراء  والأعيان  ، بهذه  الوصية  الخالدة ((وأعطهم من المنزلة لديك ما لا يطمع فيهم  أحد من خاصتك)).

أحسبُ  صاحب الفضيلة  القاضي  و معالي وزير العدل  لا  يخالفنا  ( الرأي )  بأن  حال  التعبئة السلبية  المتكررة  ضد  (  أصحاب الفضيلة  القضاة في  المملكة ) . وفي  وسائل  التواصل الاجتماعي  والإعلام  ،  يفرض  على  سبيل  الضرورة  الملحة  إصدار  تشريع  ( الحصانة  المعنوية  للقضاة  السعوديين ) .  ففي أسبوع واحد فقط  عاد للظهور ( الهاش تاق )  المتكرر الظهور في  المملكة العربية السعودية  حصرا   ( قاضي في الجنة وقاضيان في النار )) !! . ورغم  وضوح التفسير النوعي  وليس العددي  للحديث على فرض صحته  وقبوله  سندا ، إلا أنه الزائر الدائم  لتوتير فضاء المملكة  وفي أكثر الأحيان قادما من دول الجوار ..! .

ثم صدرت مقالات غير منصفة ولا عادلة   للقضاة ، وجاء في أثرها  ( إشهار وإعلان ) إحالة  قضاة إلى لجنة التأديب  في مجلس القضاء  الأعلى  ..! .

فيما  كنا نفترض   أن هذا  إجراء  خاص بالدوائر  القضائية المغلقة  و  يسقط  هيبة  القضاة ، جعل  أمثال هذه  الإجراءات  في  متناول  العامة  ، دون مبرر  مستساغ   ، و بما  فيها  قرارات  الإعفاء عن  الخدمة   لأي  سبب  من  الأسباب  عشرات  اللجان  والهيئات في الوزارات  تنعقد  لتأديب بعض  المنتسبين  لها   ولكنها  تحيط  ذلك  بالسرية التي  تبتغي  بها  صيانة  الهيبة  والمكانة وتعزيز  الثقة  بموظفيها.

فإن كان  القاضي  له  حصانة  أن لا يعاقب على  إجتهاده ،  ولا  يقال  بسببه  عن  شريف  منصبه  ، وفق ما نصت عليه المادة ( 46 ) من النظام الأساسي  للحكم  لأمتلاكه سلطة   مستقلة  خاضعة  لأحكام الشريعة الإسلامية  ، فإن التوجيه الذي  يستدعيه عدم  الكمال في العقل البشري  ، وعدم العصمة في النفس   ،  لا  يبرران  ( الإشهار  والإعلان )  والتسبيب فيهما ،  لتعارضه  مع  حفظ المكانة والمنزلة  و هيبة  العدل،  والقضاة  هم  المؤتمنون عليه  القائمون به  بين  الناس.

وبعد  أن  سيق  كاتب رأي  ، وعضو مجلس شورى ، ورجل أعمال عقاري  إلى التوقيف في تهمة  فساد  ..!  تم القفز على كل هذه الوظائف  والأعمال التي لا يزال متصفا بها  قائم عليها  ، وتم  أختيار  عنوان ( قاض سابق )  الذي عبره من أكثر من  ربع  قرن  ..!! .  رغم  قلة  مكثه فيه ،  وبعد المسافة عنه ،  أو وجود علاقة  سببية  بين التهمة  وبين  وظيفة  القضاء  قبل  أكثر من خمسة وعشرين  سنة  ..!! .

ورغم   ما يتم  أنجازه  من  القضاة  نوعا   وكما   يشهد به ( ألذ الدول عداوة للمملكة  العربية  السعودية )  حتى  باتت مدونة  الأحكام  القضائية  بأنواعها  نسخا  مطبوعة  في  دول  كثيرة  ومرجعا  لا يستغني عنه  قاض  ولا  فقيه  ..!

ومع  عدم صدور  اللائحة  التنفيذية  لشؤون القضاة  ، وإن راتب عضو مجلس شورى  أعلى من راتب القاضي   ، وله من  الإمتيازات  ما  لا  ينالها  حتى  قضاة  مرتبة  الأستئناف بعد خدمة عشرين حولا.

بات من  فرائض  العدل  أن نطالب  بالحصانة  المعنوية  للقضاة السعوديين  في تشريع  حماية  هيبتهم  ، و إيقاف  مشاريع  تكوين  الصورة  النمطية  السلبية  عنهم     الحرج  يلازم  تطبيقاته   ، ولا  يمكن أن يعرف  الناس  الهيبة  للقضاة  والواقع الإعلامي  يفيض  بنقيضها  ، وأضدادها  ،  مع  إكتمال  الفجوة  بين  حقوقهم   وبين   واجباتهم  الثقيلة  والعظيمة  ،  التي  لولا  النظر إلى  ما عند الله  تعالى  في الدار  الآخرة  لما  لبثوا   فيها  إلا  قليلا    ، تتمازج  في  ذواتهم  اليقين  بجزيل  الثواب  وحسن  المنقلب   وعظيم  المنزلة  والأجر  في  الآخرة  وإن  حرموا  منها  في  الحياة  الدنيا  ، وهي قناعة لا تحول دون  الأصرار على إصدار قرار الحصانة المعنوية للقضاة  في  القريب العاجل.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق