الرأيكتاب أنحاء

أختلف معك ولا أحترم رأيك

إذا ما سُئل الإنسان العاقل عن رأيه في أمرٍ ما، فإنه يُجيب وِفق اعتقاده وشعوره، وبقدر ما يمتلك من معلومات حول هذا الأمر، فيبدأ بالتفكّر والتأمل حتى يكوّن رأياً سديداً قدر الإمكان، ومع هذا فإنه يتبنى قول (الشافعي): “رأيِ صواب يحتمل الخطأ، ورأيُ غيري خطأ يحتمل الصواب”. ويتبِع قول الأئمة: “إن كنت ناقلاً فالصِّحة، وإن كنت مُدَّعياً فالدليل”.

عندما توضع الأمور على طاولة النقاش وتتباين فيها الآراء بين اتفاق واختلاف، فلا ضير في ذلك طالما أن الأمر فيه مساحة تستوعب الآراء المختلفة، أما الأمر المعقول الذي لا تختلف فيه العقول، فإن طرحه للتداول مجرد ترف فكري وتمرين عقلي. يقول أبو الطيب المتنبي:

وليس يصِحُ في الأفهامِ شيءٌ           إذا احتاج النهارُ إلى دليلٍ

وكذلك يقول مادحاً الرأي السديد حيثُ جعله مقدماً على الشجاعة:

الرأي قبل شجاعة الشجعانِ             هو أولٌ وهي المحلّ الثاني

فإذا هما اجتمعا لنفسٍ حرةٍ              بلغا من العليـاءِ أيَّ مكـانِ

ولربما طعن الفتـى أقرانه              بالـرأي قبل تطاعُن الأقرانِ

كل إنسان له الحق في امتلاك رأي لأي موضوعٍ كان، طالما ظل مُحتفظاً برأيه هذا لنفسه، وإلا فالتسفيه والتجاهل دواءٌ لكل أحمقٍ جاهل، فليس من المعقول أن تتساوى الخبرات والعقول، وللأسف أن أغلب الناس أصبحوا خُبراء في كل الأمور، ويُبدون آرائهم فيها بكل ثقة، وكأنهم علماء وأطباء وخُبراء واقتصاديون وسياسيون، والحقيقة أن أكثرهم لا يفقهون، ويهرفون بما لا يعرفون، وقد تأتي الآراء الشاذّة والغبيّة من كِبار مُتعلمين، ولكنهم تحدثوا في غير فنونهم فأتوا بالعجائب، يقول (ماثيو ماكونهي): “الشهادة ورقة تُثبت أنك متعلم، ولكنها لا تُثبت أنك تفهم”.

عبارة:(أختلف معك وأحترم رأيك) ليست صحيحة بالمُطلق، فقد تُجبرنا بعض الآراء على أن نقول لأصحابها بأعلى صوت:(نختلف معكم ولا نحترم آرائكم)، كمن يصف الشذوذ بأنه فطرة سويّة، أو يجعل مُحاربة الدين حريّة شخصيّة، أو يدّعي أن التقليد الأعمى تحسيناً للهوية. الإنسان السوي واعي قوي، لا يحترم الشيء ونقيضه، فهو يحترم الإسلام والإنسان، ويتعامل مع الجميع بإنصافٍ وإحسان.

أصبحنا نُشاهد كثيراً على منصات التواصل من يجترئ على أمور الدين، فيُبدي رأيه في الأحكام الشرعية، وكأن له رأياً فيها، فهو لا يمتلك أدنى أدوات الفهم والتعلُّم، والحقيقة أن الإنسان أمام خيارين لا ثالث لهما، إما استجابة لأمر الله عز وجل ورسوله الكريم عليه الصلاة والسلام، وإما اتباع الهوى، فلا يُقدّم الرأي على الوحي، ولا الهوى على العقل، قال الإمام (مالك):” إنما أنا بشر أخطئ وأُصيب، فانظروا في قولي، فكلُّ ما وافق الكتاب والسنة فخذوا به، ومالم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه”.

ويقول (ابن القيم) في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾. فإذا كان رفعُ أصواتهم فوق صوته سبباً لحبوط أعمالهم، فكيف تقديمُ آرائهم وعقولهم وأذواقهم ومعارفهم على ما جاء به ورفعها عليه؟ أوَ ليس هذا أولى أن يكون مُحبطاً لأعمالهم؟

رأيك المُسبق الذي تعمِّمهُ على الآخرين قد يكون سبباً في تعاستك أو سعادتك، بحسب ما يكون من حُسن ظن أو سوء ظن، يُحكى أن مسافراً اقترب من بوابة مدينة أراد أن يدخلها، فوجد شيخاً كبيراً يجلس بجانب الطريق فسأله: ما حال الناس في هذه المدينة؟!

رد الشيخ قائلاً: وما كان حالهم في المكان الذي جئت منه؟

فأجاب المسافر: “كانوا سيئين من جميع النواحي، لا صدق ولا أمانة ولا شرف”.

فرد الشيخ: “وهنا ستجدهم على نفس ما وصفت”.

وبعدما غادر المسافر الأول بساعات، توقف مسافر آخر أمام الشيخ الكبير ليستعلِم عن أهل المدينة، فسأله الشيخ: وكيف كان الناس الذين تركتهم في مدينتك السابقة؟

فأجاب: “كانوا رائعين قمة في الأدب، أهلُ صدق وعدل وإحسان”.

فرد الشيخ قائلاً: “وهنا ستجدهم على نفس ما وصفت”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق