الرأيكتاب أنحاء

ما بعد قمة العلا إلا العلا

تطل العلا عين حضارة الأنبار والثموديين على العالم منذ بلوغها عين منظمة اليونسكو، للتراث الإنساني، كموقع احتفظ بجماليات منحوتاته الحجرية الشامخة منذ أربعة قرون.

واطلالتها هذه المرة سياسية تتمثل بعقد القمة الخليجية الواحد والأربعون فيها، وهذا ليس كل شيء، فالقمة تحمل هذه المرة قضايا من العيار الثقيل، حيث تمت المصالحة الخليجية في هذه القمة، التي ستبقى في جبهة التاريخ مستقبلا.

والسؤال الذي يطرح نفسه من العنوان، هو ماذا بعد العلا؟

هل ستلتئم الجروح الخليجية، تلك التي أبكتنا برؤية وسماع الشعب القطري وهو يتلقى بشرى عودة القلب والحضن الكبير، وأن الأيام مهما جعلت النفور يحدث، فلا بد من ترحيبة وحضن أخوي كما رأيناها بين أمير قطر، وولي العهد محمد بن سلمان على أعتاب سلم الطائرة.

ترحيبة تأتي عن وعي، وعودة بكل معاني الحب والاحترام وحفظ المقامات، التي تربى عليها شعب الخليج، وتعليمها لشبابه، وما يرغب الجميع بأن يستمر في أجياله القادمة.

حرارة البدوي، واندفاعه، وعجبه وعناده يجب أن ينتهي هنا، وأن يحل محله الهدوء، والرزانة، ورؤية الخلل من كل الزوايا، بعدالة وحسن تقدير للحال، وعدم تسريع الوصول للنهايات المسدودة.

الذي بعد العلا يجب أن يكون متجها للعلا، فلا ضيم، ولا تهميش، ولا خيانة، ولا تعنت، ولا تعدي، ولا استقواء بالأعداء، ولا نوايا سوداء، تخلق الشقاق وتجعل الجروح تندمل، على غشش.

ما بعد العلا، هو فرصة لجميع دول الخليج بكبيرتهم السعودية، وبوجود دعامتهم العربية مصر، ليعرفوا الحق، وأن يعودوا إلى نظام العروبة الكريم الأصيل، الذي يفتدي بعضه بعضا، ويذود عن الأخ ضد كل عدو، حتى ولو لبس ثياب الصديق.

علمونا في بيوتنا ونحن صغار أن الكبير يظل كبيرا، حتى ولو خرج عن طوره، وأن الحكمة تحصل بمجرد طاعته لخبرته وحرصه.

علمونا في مدارسنا أن الصديق عند الضيق، وأن الأخ لا يقول أخ ومعه أخ، وأن للجيرة حرمتها وحقوقها، وأن الرماح تأبى أن تتكسر حينما تجتمع، ونحن نرفض أن تكون رماحنا متفرقة بالهوى والنعرة والولاء، التي قد تغفل وقد تجور وتنسى، وترقص على جراح الأخ.

يوم قمة العلا يظل يوما جميلا تستعرض فيه قنوات النقل التليفزيوني أحداث القمم الماضية، ونرى ملوك وأمراء وشيوخ كانوا قد زرعوا ورعو الأخوة بيننا، ثم رحلوا عنا أجسادا، ولكنهم يبقون أرواحا تنبض في القلوب وتسكن والذكرى، مواقف، وعلو فكر، وحكمة ودهاء.

مواقف نستعرض فيها كيف كانت الحياة تضيق على المجلس وقادته، وكيف كانوا يناضلون ويبحثون عن النقاط المضيئة، وقد يختلفون قليلا، ولكنهم لا يبلغون القطيعة قط.

رأينا كيف كانت تجمعهم الأزمات، مثل أزمة تحرير الكويت، وكيف كنا نرى ونسمع جنودا يتفانون من أجل نصرة أخيهم، دون حسابات، ودون تردد.

قمة العلا وضعت القدم على طريق طويل من الأمل، وحسن الظن، والرغبة الأكيدة في إجلاء سواد الماضي، وبلوغ المحبة، التي كانت ويجب أن تستمر.

قمة العلا ما بعدها يجب أن يكون صفاء، ونقاء، ويد خير وصدق لا تعود لتثني بالشر على اليد التي تمدها لها بسلام.

قمة العلا أحضرت الشهود على ما يحدث، ليس فقط من الأحياء، ولكن ممن سكن التاريخ لأربعة قرون من الزمان، وأخلص فيما فعل، وترك أيقونات أثر لكل القادم.

قمة العلا يجب أن تضع النقاط على الحروف، وأن تضيء مستقبل الشعوب الخليجية، التي تثق بقدرات قادتها، وتثق بحكمتهم، ولا تريد أن تعيش أي خلاف جديد بين دولنا، التي عانت كثيرا، وتكسرت أهداب راحتها طوال فترة المقاطعة، وكم خرج علينا من عدو يستقوي، ومحتال يستغل، ويدخل بين أنفاس الإخوة بالشر.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق