الرأيكتاب أنحاء

مجتمعنا بين الخلاف والإنصاف

في إحدى اللقاءات المتلفزة لأحد فضلاء المشاهير وُجّه له سؤال كالتالي:

هل مجتمعنا من وجهة نظرك هو مجتمع منصف؟

فأتحفني رده البليغ و شدني حسه الرفيع ما دعاني أن أقف هنا بعض الوقفات مع مقالته.

إن الإنصاف قيمة عالية لا نستطيع تصنيف مجتمعات بعينها تبعًا لوفرتها في أفرادها أو انعدامها فيهم، و لا نملك أيضًا دراسات إحصائية موثقة توضح ذلك لكننا لكي نكون منصفين في تصنيفنا و تقييمنا لمجتمعاتنا

علينا الرجوع إلى مصادر التقييم و موازين الحكم في ظل معاييرنا المرجعية

فهذا عمرو بن العاص رضي الله عنه يصف  مجتمع الروم بعد أن خالطهم خلال فترة ولايته على بلاد الشام و مصر إبّان الخلافة العُمَرية في الحديث التالي:

روى المستورد بن شداد:

تَقُومُ السَّاعَةُ والرُّومُ أكْثَرُ النَّاسِ. قالَ: فَبَلَغَ ذلكَ عَمْرَو بنَ العاصِ فقالَ: ما هذِه الأحادِيثُ الَّتي تُذْكَرُ عَنْكَ أنَّكَ تَقُولُها عن رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ؟ فقالَ له المُسْتَوْرِدُ: قُلتُ الذي سَمِعْتُ مِن رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، قالَ: فقالَ عَمْرٌو: لَئِنْ قُلْتَ ذلكَ، إنَّهُمْ لأَحْلَمُ النَّاسِ عِنْدَ فِتْنَةٍ، وأَجْبَرُ النَّاسِ عِنْدَ مُصِيبَةٍ، وخَيْرُ النَّاسِ لِمَساكِينِهِمْ وضُعَفائِهِمْ.

  المحدث : مسلم | المصدر : صحيح مسلم.

لقد أنصف عمرو الروم حين تحدث عن حلمهم عند الفتن و كان يعني بذلك:

التعقل  والتَّثبيتُ عندَ وُقوعِ الكوارث ، (وأَسرعُهم إفاقةً بعدَ مُصيبةٍ)، أي: أَخْبَرُهم بعِلاجِها والخُروجِ منها، (وأَوشكُهم كرَّةً بَعدَ فرَّةٍ)، أي: المُبادرةُ إلى القِتالِ بعدَ الهَزيمةِ، (وخَيرُهم لِمِسكينٍ ويَتيمٍ وضعيفٍ) في الإِحسانِ إليهمْ، (وأَمنعُهم مِن ظُلمِ المُلوكِ)، أي: مُلوكُهم لا يَظلِمونَهم، وهذه الخَصلةُ استَحْسَنَها عمرٌو رضِي اللهُ عنه، وقال عنها: حَسنةٌ وجميلةٌ.

فهؤلاء الألمان سرعان ما أفاقوا بعد هزيمتهم في الحرب العالمية الأولى و الأمريكان بعد انهيار برجي التجارة العالميين.

و قبله و خيرًا منه رسول الهدى صلوات الله و سلامه عليه حين وصف الشيطان لأبي هريرة رضي الله عنه قائلا 🙁 صدقك و هو كذوب ).

و هذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى حين شُكِي إليه حال الرازي و ضلالاته العقدية فقيل له: أهو ضال ؟ فأجاب بحنكة و حكمة و إنصاف : لا ، ذلك مبلغه من العلم.

و قد قدم أمير الشعراء مثلا رائعا و رائدا في الإنصاف حين توفي حافظ إبراهيم رحمهما الله فرثاه بقصيدة جزلة كعادته قال في مطلعها:

قَد كُنتُ أوثِـرُ أَن تَقـولَ رِثائـي **** يا مُنصِفَ المَوتى مِـنَ الأَحيـاءِ

لَكِن سَبَقتَ وَكُـلُّ طـولِ سَلامَـةٍ **** قَـدَرٌ وَكُــلُّ مَنِـيَّـةٍ بِقَـضـاءِ

و في وسطها:

يا حافِظَ الفُصحى وَحارِسَ مَجدِها **** وَإِمامَ مَـن نَجَلَـت مِـنَ البُلَغـاءِ

و في خاتمتها:

خَلَّفتَ فـي الدُنيـا بَيانـاً خالِـداً **** وَتَرَكـتَ أَجيـالاً مِـنَ الأَبـنـاءِ

وَغَداً سَيَذكُرُكَ الزَمانُ وَلَـم يَـزَل **** لِلدَهرِ إِنصـافٌ وَحُسـنُ جَـزاءِ

و اليوم مع الأسف عزّ الإنصاف لا سيما وقت الخلاف ، فتجد بعضهم ما أن تغادره حتى يبادر بالحكم عليك من مظهرك أو من شكلك، و تجد الآخر منبسطًا إليك متلطفًا معك وقت الرخاء و السلم و ما أن يختلف معك أو تنزل به نازلة حتى يقلب لك ظهر المجنّ فينسف كل محاسنك.

و مما يعتمده البعض في أسلوب تعامله مع الآخرين و حكمه عليهم ما يسمى بنظرية (العزو): و هو أن يعزو كل نجاحاتك و امتيازاتك و مناقبك للعوامل الخارجية و المؤثرات المحيطة بك أو ما يسمى بالحوافز ، بينما يعزو مثالبك و عيوبك و إخفاقاتك  لدقائق نيتك و خفايا قلبك أو ما يسمى بالدوافع ،فكل حسنة منك هي بفضل غيرك و دعمه لك، و كل سيئة هي نتاج سوء طويتك.

إن مما يسهم في إضعاف قيمة الإنصاف:

الاستعجال في إصدار الأحكام على الآخرين و عدم التريث و التثبت ،و قد ضرب  لنا رسول الهدى و الرحمة خير الأمثلة و أروع النماذج في تعزيز قيمة الإنصاف من خلال موقفه مع حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه لما أراد إبلاغ قريش بتحركات جيش المسلمين فبادر عمر رضي الله عنه بالحكم عليه قائلا:( يا رسول الله دعني فلأضرب عنق هذا المنافق)فرد عليه بجواب يكتب بماء العين 🙁 دعه يا عمر فقد شهد بدرًا،و ما يدريك لعل الله قد اطلع إلى أهل بدر  فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم )،فمشهدٍ واحد سابق لهذا الصحابي الجليل  كفيل بمحو أي  سجلٍّ أسود أو تاريخٍ مشين لاحق  لأن ذلك المشهد في غزوةٍ كانت هي الفارق الحقيقي و الفيصل الذهبي في تاريخ الدولة الإسلامية لينبئ عن سلامة نيته و صدق إسلامه و سبق فضله و إحسانه.

و كذلك مما يؤثر في هذه القيمة العليا سلبًا في مجتمعنا :المسارعة وقت الخلاف لنشر الفضائح و ذكر القبائح و غض الطرف عن المحاسن و المزايا أو تجاهلها و كتمانها و التعتيم عليها متناسين بذلك الوعيد النبوي بأن هذا من شأن النفاق و صفات أهله :(و إذا خاصم فجر) و في الحديث الذي رواه البخاري :(إن أبغض الرجال  إلى الله الألدّ الخَصِم) ،و يكفيك لتدرك هذا المعنى أن  تطرق باباً من أبواب برنامج التواصل الاجتماعي الشهير :المغرّد(تويتر )مثلًا فتدلف إلى وسمٍ هجومي أطلقه بعضهم على أحدهم لترى الأعاجيب التي يندى لها الجبين و يشيب لها الرأس و تدع الحليم حيرانا، ما يؤكد أن المسارعة وقت الخصومة للاستفزاز بإطلاق الأحكام و الألقاب مغاير تمامًا للنضج الانفعالي و الاتزان الأخلاقي.

أخوك الذي لا ينقض النأي عهده

و لا عند صرف الدهر يزوَرّ جانبه

و ليس الذي يلقاك بالبشر و الرضى

و إن غبت عنه لاسعتك عقاربه

فليس من المروءة و لا من الديانة في شيء التجرد من الإنصاف و العدالة عند إطلاق الأحكام لمجرد البغض أو الخصومة ( ولا يجرمنكم شنئآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى)-المائدة-

الإنصاف يا سادة لابد أن يكون حاضرا بيننا بقوة فارضًا نفسه علينا في جميع الأوقات و المناسبات و  رغم  اختلاف المواقف و تغير المشاعر و الانفعالات في الرخاء و الشدة و العسر و اليسر و الحب و البغض والمنشط و المكره.

و إن خيار الناس من كان منصفًا

صدوقًا لبيبًا صانه الدين فانزجر

و إن شرار الناس من كان مائلا

عن الحق إن خاصمته مرةً فجر

و حتى لا يغيب عنا الإنصاف و نحيد عمّا سعينا إليه في مقالتنا هذه ،فمن الإنصاف أن نذكر أن هناك فئامٌ من الناس في مجتمعنا لا ننكر دورهم و لا نجحد فضلهم في التركيز على نشر إيجابيات و فضائل أصحاب الفضل الأحياء منهم و الأموات همهم في ذلك صناعة القدوات و نشر الفأل و الفضيلة و الخير و تعزيز القيم الصالحة و تثبيت المبادئ البناءة و تحسين صورة المجتمع المسلم و إظهار متانة لحمته و خيريته أمام العالم.

و ليس ذلك فحسب بل إن الكثيرين منهم يسلطون الأضواء دائما على الجوانب المضيئة في الأشخاص و المواقف و الأحداث و يغضون الطرف عن الإساءة و الخطأ فيغمرون العيوب في نهر الحسنات، و ينشرون فضائلهم و يمحون مساوئهم مالم يكن في ذلك مساسٌ بثوابت أو مسلمات عقدية يستوجب التحذير منه ، هؤلاء الإيجابيون هم الذين ينظرون للأشياء من حولهم بأعين النحل لا بأعين الذباب هم الذين يتنفسون حبًّا و ينتشون حمدًا عندما يحدقون دومًا في النصف المملوء من الكأس.

و ليس ذلك فحسب بل إن الكثيرين منهم يسلطون الأضواء دائما على الجوانب المضيئة في الأشخاص و المواقف و الأحداث و يغضون الطرف عن الإساءة و الخطأ فيغمرون العيوب في نهر الحسنات،و ينشرون فضائلهم و يمحون مساوئهم مالم يكن في ذلك مساسٌ بثوابت أو مسلمات عقدية يستوجب التحذير منه ، هؤلاء الإيجابيون هم الذين ينظرون للأشياء من حولهم بأعين النحل لا بأعين الذباب هم الذين يتنفسون حبًّا و ينتشون حمدًا عندما يحدقون دومًا في النصف المملوء من الكأس.

دمتم بود

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق