الرأيكتاب أنحاء

أحزنني حزنك ياصديقي قينان

حالة من الحزن الشديد نضحت في أعين المجتمع الثقافي والإعلامي السعودي هذه الأيام، برحيل طبيب الأسنان خريج مدينة الاسكندرية الكاتب والأديب عبدالله مناع (24 مارس 1940 – 23 يناير2021)، والذي تناقلت وسائل الإعلام ومواقع التواصل التعازي الحارة، والذكريات الحميمة، وصور ومقاطع من ماضيه النقي رحمه الله.

وكعادة الوسط الإعلامي السعودي، الذي يرقد طويلا، ثم يصحو بعد رحيل مفزع، ليودع، ويتباكى، ويذكر محاسن الموتى، ويدعي وصل بليلى.

يا الله، ما هذه الحكاية العجيبة، وكيف لم أعرف الراحل من قبل، مع أني خريج جامعة اسكندرية، بكالوريوس طب وجراحة، غير أن المسافة بيني وبينه طويلة، فكنت قد التحقت بالجامعة بعد عقد ونصف من تخرجه، ولم تشاء الظروف أن نتقابل طوال فترة وجودنا في السعودية، إلا عبر الصحف، والتي نقلت أخبار مؤلفاته، ومقالاته، وندواته، وعلاقته المكينة بجريدة البلاد.

ما هذه الدنيا، التي تضيق بعض دروبها، وتتسع الأخرى، وتتصل ممراتها، وتتقطع بعضها فكأننا عشنا على كوكبين منفصلين!

حزمت أمري، وأردت أن أخط كغيري التعازي على مواقع التواصل، ولكني وجدت في ذلك روتينية فجة، ومظاهر غير حقيقية، وفضلت التمهل حتى أعرف أكثر عن هذا الراحل.

جلت في مواقع التواصل، وقرأت بعض ما كتب أصدقائه، وفي الصحافة وجدت بعض المقالات، ولكني لم أشعر بالحزن الشديد، إلا بعد قراءة ما قاله الصديق الرائع والكاتب الفذ قينان الغامدي الغني عن التعريف في تحقيق صحفي مختصر على جريدة عكاظ: بأن المناع رجل ذو حساسية عالية وجديّة في العمل واحترام الوقت.

وأكمل: أتطلع إلى إطلاق اسم المناع على شارع من شوارع عروس البحر وفاء وعرفاناً لما قدم من مقالات وبرامج وحوارات عن معشوقته الأثيرة، فقد كان رحمه الله إبان عضويته في لجنة تسميات شوارع جدة قد بذل قصارى الجهود في سبيل إطلاق اسم محمد حسين زيدان وعبدالله عبدالجبار وحمزة شحاتة على طرق رئيسية في مدينة «النُهى بين شاطئيها غريقُ».

وتواصلت مع الأستاذ، فكان أن صب الحزن في نفسي أكثر، وشرح لي عن علاقة نقية رفيعة بالمرحوم، وأرسل لي مقطع من أغنية أم كلثوم (الأوله في الغرام)، موضحا: هذه الأغنية الرائعة للست كانت أبرز الأغنيات التي لا يمل رحمه الله سماعها، والحديث عن قصة كلماتها ولحنها، وتاريخها معه شخصيا.

حزنت أكثر، وتمنيت لو أني سمعت القصة من لسان المرحوم.

ولا شك أن حزني قد طغى بمعرفتي أن صديقي قينان يعيش نوعا من العزلة من قبل عزلة الجائحة بمدة، وقد اشتاق الوسط الفني لروعته، ومشاغباته، وأستاذيته في الأخذ بأيدي القادمين إلى عوالم الصحافة.

وقد تصورت مشاعره نحو هذه الأجواء الصحافية، بأنها لا تعدو كونها جزء من الدنيا الفانية، وكما جاء على لسان الشاعر الأندلسي لسان الدين بن الخطيب:

أَقَمْنَا بُرْهَةً ثُمَّ ارْتَحَلْنَا

كَذَاكَ الدَّهْرُ حَالاً بَعْدَ حَالِ

وَكُلُّ بِدَايَةٍ فَإِلَى انْتِهَاءِ

وَكُلُّ إِقَامَةٍ فَإِلَى ارْتِحَالِ

وَمَنْ سَامَ الزَّمَانَ دَوَامَ حَالٍ

فَقَدْ وَقَفَ الرَّجَاءَ عَلَى الْمُحَالِ

أخي قينان، لا تحزن إن قلوبنا معك، وإنا لله وإنا إليه راجعون لفقدك، وما زلنا نحن محبيك ننتظر أن تغادر صومعة عزلتك، ولا أظن السيل يبطئ إلا من كبره، فلعلنا نحمل مظلاتنا يوما، وننزل إلى وسط الوادي، وننعم برشاش الغيث، ونتأمل بديع هدير السيل، ونحكي لعروق شجر الخوخ والرمان، عن ربيع قادم.

ننتظرك، ولا نريد أن يطويك الحزن وأنت ما تزال بيننا، ولا أن يرحل أصدقائك وأنت بعيد، ودون أن تكتب معهم سيرة عطرة، وأمنيات ومستقبل.

الوسوم

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق