الرأيكتاب أنحاء

الصلابة النفسية في مواجهة الأزمات

لطالما كانت الأزمات و الشدائد و المواقف الصعبة كاشفةً لكثير من الأخلاق و الدسائس النفسية الباطنة التي ربما تخفى حتى على صاحبها ..

و قد كنت أتأمل منذ زمن قوله عز و جل في سياق قصة موسى عليه مع بني إسرائيل التي وردت في سورة المائدة حول سؤال موسى إياهم دخول المدينة المقدسة التي كان يسكنها الكنعانيون و العماليق، و تطهيرها من رجسهم و كفرهم ثم امتناعهم عن ذلك بذريعة عدم التكافؤ بين القوى :{ قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (22) قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (23)}المائدة

فيتملكني العجب من الموقف الشجاع للرجلين المؤمنَيْن الصالحَين الناصحيْن من بني إسرائيل و من جسارة النصيحة و اختزالها في كلمات معدودة تصف تفاصيل الموقف بإجمال ذي معنى عميق ..

( ادخلوا عليهم الباب ) دخولا ذا قوة كفيلا بأن يهزم الغطرسة في نفوس العدو المتجبر المختال بعدته و عتاده و يؤجج الثقة بنصر الله و بموعوده في قلوب المؤمنين  ..

( فإذا دخلتموه فإنكم غالبون)

يبدو أن هذين الرجلين لم يكونا صادقَيْ التوكل فحسب بل كانا محنَّكين عسكريا يجيدان فنون الحرب و الفرّ و الكرّ و يُحسنان التعامل مع الأزمات و الملمات فخلد القرآن الكريم موقفهما العظيم كَرُجلي مهمّات في وقت ساد فيه الذعر و عمّ التشاؤم معظم أفراد الجيش و كثر التلكؤ و محاولات التهرب من مطالب النبي الكريم موسى الكليم ..

تأمل معي كيف يتقاطر حسن الظن بالله و بموعود الله من أحرف هذه العبارة الوجيزة

التي امتلأت فألاً و ثقةً بالله تعالى .

فقط ادخلوا و سترون النصر مباشرة عقب الدخول رأي العين ..

و قد تبدد بعض عجبي- وإلا فإن آيات الله لا ينقضي عجبها ولا ينتهي علمها- حينما علمت أنه في عصرنا الحديث كانت هناك نظريات عسكرية وضعها مفكرون و ساسة و عسكريون يمثلون دولا و مخططات سياسية و عسكرية تقوم على مبدأ( الصدمة و الرعب ) و تعتمد على عنصر المباغتة لإرعاب الخصم و إرباكه بلا سابق إنذار للظفر به بأقل الخسائر الممكن تكبدها من قبل الجيش الصائل ( المهاجم ) ..

هذا على صعيد السياسة و الحرب التي وصفها رسول الله عليه الصلاة و السلام بقوله 🙁 الحرب خدعة )..

و في عالم السلوك الإنساني و مع النظريات المفسرة له عُرف من فنيات تعديل السلوك و ضبطه  ما يسمى :بأسلوب الإغراق أو الغمر  و الذي يقوم بدوره على إجبار الفرد القَلِق على تحدي المواقف التي تقلقه أو تخيفه بشكل مباشر مع عدم إعطائه الفرصة للهروب منها أو محاولة تجنبها و ذلك بوضعه في مواجهة المواقف المثيرة للمخاوف و القلق بهدف إفهامه أن ما يقلقه لن تترتب عليه النتائج و الاحتمالات  التي كان يتوقعها و هذا الأسلوب و إن كان فاعلا في بعض الحالات إلا أنه  لا يخلو من مساوئ و سلبيات ..و  على نظرية  أبي نواس الشهيرة :و داوِها بالتي كانت هي الداء ..

و هنا أجدني أعود لأعلق على قصة الإسرائيليين الناصحَيْن لقومهما و اللذين تفطنا للطبيعة اليهودية في قومهما المعجونة بماء الجُبن و إيثار الذّل و الاستكانة للعدو على مواجهته و الهرب من مقاومته  و الاعتماد على نبيهم في المدافعة عنهم تارة بالدعاء و تارة بالخوارق و الآيات المعجزات الباهرات ..

و بحكمتهما الممزوجة بالرحمة و الشدة..

قدّما لقومهما هذا العرض القائم على مبدأ الصلابة النفسية في مواجهة الأزمات ..

فالدفع بالنفس المتلكِأة في غمرة الحدث و إغراقها في الموقف سيضطرها لمواجهته بشكل أو بآخر .. و سيوفر  عليها كثيرا من الجهد و الوقت و التفكير المبذول في محاولات يائسة للهروب و التراجع ..

أما و إن الأوامر هنا ربانية و الداعي إليها نبي كريم فإنه لا عدول عنها و لا خيار آخر لكم سوى التقدم و الهجوم ..

و قد قيل ( إنما النصر صبر ساعة )..

فهي ساعات و ربما دقائق بالتوقيت الزمني..

لكنها تتطلب جهادا عظيما للنفس ..

و توكلا صادقا على الرب ..

و رباطة جأش و شدة بأس ..

و اليوم نحتاج الكثير من الصلابة النفسية  و التماسك الفعال في التعاطي مع ما نمر به من أزمات قد تنهزم فيها نفوسنا و تنهار أمامها معنوياتنا و نفقد الكثير من الأمل فتتحطم قوارب الفأل على شواطئ اليأس ..

إننا نعني بهذا المثل الرباني الكريم إسقاطه على واقعنا و حياتنا في ظل ما يصيبنا من ابتلاءات و أوبئة و تغيرات اقتصادية و صحية و بيئية ..

إن مواجهة الخوف و القلق يتطلب منا  أن نرفع أشرعة الصبر على سفن الإيمان و أن نتحلى بالجسارة الإيمانية أمام المخاوف و الوساوس و الظنون و لا أنفع من تخيل وقوعها و حصول نتائجها و أسوأ الاحتمالات التي يمكن أن تحدث .. ثم تخيل دورك و موقفك ثم التفات قلبك لحمد المولى تعالى المستحق للثناء الذي نجاك من هذا الخيال و أبقاك في النعمة ..

لتكن صلبا .. فالمواجهة هي السلاح الفعال في علاج القلق و الاضطرابات و المخاوف النفسية ..

دمتم بخير ..

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق